إن الثقة في حياة الدول والأمم عملة فريدة، غالية الثمن، تصقل عبر السنين بمواقف الصدق والوفاء والاحترام والتسامح والشفافية وروح المسؤولية وغيرها من القيم السامية، وتنمو في ظلال العدل والأمان، ولا سبيل إلى امتلاكها إلا بالتخطيط السليم والعمل الدؤوب والإنجاز المتواصل، وقد أدركت قيادتنا الحكيمة هذه الحقيقة منذ فجر الاتحاد، فجعلت من غرس الطمأنينة في النفوس، وترسيخ السعادة في القلوب، ركيزة جوهرية أساسية في بناء الدولة الحديثة، حتى غدت دولة الإمارات اليوم مضرب المثل في المصداقية والاستقرار، ومحط أنظار العالم في التنمية والازدهار، يقصدها أصحاب الأموال والعقول والطموحات من كل فج عميق، مطمئنين إلى حاضرها، واثقين بمستقبلها.
ولقد أدركت دولتنا المباركة أن رحلة الألف ميل تبدأ بصناعة البيئة الحاضنة، فشرعت القوانين التي تحمي الحقوق وتصون العقود، وشيدت المرافق والموانئ والمطارات التي تربط الشرق بالغرب، وطورت الخدمات الحكومية حتى صارت أنموذجاً يحتذى في السرعة والإتقان، وفتحت أبواب التسهيلات وأرقى المقومات أمام الكفاءات والشركات، فاجتمعت للوطن مقومات الجذب كلها، وتكاملت فيه عناصر القوة جميعها، من أمن وارف، وقضاء نزيه، واقتصاد متنوع، وحوكمة رشيدة، فغدت واحة مزدهرة لاستقطاب الاستثمارات العالمية والعقول الإبداعية.
والناظر في مسيرة دبي يرى فصلاً مشرقاً من فصول هذه الثقة، فقد بلغ عدد سكان الإمارة 4.58 ملايين نسمة بنهاية عام 2025، بزيادة قدرها 332 ألف نسمة خلال عام واحد، وبمعدل نمو وصل إلى 7.5%، وهو من أعلى المعدلات في مسيرتها المميزة، وإن لهذه الأرقام دلالات عميقة، فالإنسان بفطرته يهاجر إلى حيث يجد الأمان والفرص، ويستقر حيث تتوفر الكرامة وجودة الحياة، ويستثمر حيث يطمئن على ثمرة جهده وعرق جبينه، وقد وجد ملايين البشر في دبي وفي ربوع الإمارات كافة كل ذلك وزيادة، فشدوا إليها الرحال، وأسهموا في نهضتها العامرة، شاهدين بذلك على ما تتمتع به دولتنا الغالية من رؤية استثنائية ملهمة، ونهج استشرافي فريد.
وإن أصدق البراهين على متانة هذه الثقة ما جرى في الأسابيع الماضية، حين اشتدت رياح التوتر في المنطقة، وتصاعدت الأزمات من حولنا، فقد كان المتربصون يتوقعون تراجع الإقبال وانحسار التدفقات، وكانت الظنون تذهب بهم إلى أن العواصف الإقليمية ستلقي بظلالها على الأسواق والاستثمارات، غير أن الواقع جاء مبهراً للقاصي والداني، فقد تعاظم توافد الشركات والثروات والكفاءات إلى أرض الدولة، وارتفعت مؤشرات الطلب على العقار والأعمال والإقامة، وواصلت الأسواق أداءها القوي بثبات واقتدار، لأن العالم شاهد بعينيه كيف أدارت القيادة الإماراتية الأزمة بحكمة العقل وقوة الإرادة، وكيف ظلت الحياة في الوطن هانئة مستقرة، تمضي فيها المشاريع الكبرى في مساراتها، وتتواصل فيها الفعاليات العالمية في مواعيدها، وتتسع آفاق القطاعات الواعدة من الذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي والطاقة النظيفة وغير ذلك من المجالات، بينما كانت النيران تشتعل في أكثر من ساحة قريبة.
نعم، لقد كانت هذه الأزمة اختباراً حقيقياً لرصيد الثقة الذي بنته الإمارات عبر العقود، وقد خرجت منه دولتنا أعلى قدراً، وأرفع مكانة، وأكثر جاذبية، فالمستثمر الحصيف يزن الدول بمواقفها في الشدائد قبل أن يزنها بأرقامها في الرخاء، وقد أثبتت بلادنا أنها سفينة صلبة راسخة، يقودها ربان حكيم بصير، لا تخيفها العواصف، ولا تربكها التقلبات مهما كانت عاتية.
وإن في هذه التجربة الملهمة رسالة بليغة للأجيال، مفادها أن سمعة الأوطان تبنى بالمواقف قبل الأقوال، وتشيَّد بالأفعال قبل الشعارات، وأن الثقة التي تكتسبها الدولة هي تاج مرصع بجهود قيادتها الرشيدة وتآزر أبنائها الأوفياء، وهي أمانة عظيمة تستوجب الحفاظ عليها بالولاء والانتماء والعلم والعمل، كل في موضعه، فالموظف يتقن عمله، والجندي يحرس وطنه، وكل مواطن ومقيم يؤدي واجبه على أكمل وجه، فالجميع شركاء في المحافظة على سمعة الوطن وتعزيزها.
إن الإمارات وجهة العالم الأولى للباحثين عن الأمان والنماء لأنها بنت نموذجها على أسس متينة، وقيم أصيلة، ورؤية استشرافية استثنائية، جعلت الإنسان محور التنمية وغايتها، والاستقرار قاعدة الانطلاق ومنصتها، وما تحققه اليوم من أرقام قياسية وإنجازات متتابعة صفحات مضيئة تكتبها القيادة الحكيمة بمداد من نور، ويصونها شعب وفي يعرف قيمة النعمة، ويدرك عظمة المسؤولية.