ولم يكن حضوره مجرد حضور كاتب أو قاص أو مسؤول، بل كان حضور الإنسان المؤمن بأن الثقافة هي الاستثمار الأطول عمراً، والأكثر تأثيراً في صناعة المجتمعات.
عرفناه أديباً يكتب عن الإنسان الإماراتي، ويوثق تفاصيل الحياة اليومية، ويمنح المكان ذاكرته، ويجعل من الحكاية المحلية رسالة إنسانية، تصل إلى القارئ أينما كان.
وفي الوقت ذاته، عرفناه مسؤولاً حمل همّ الثقافة، وسعى إلى تطوير مؤسساتها، ودعم المبدعين، وفتح الأبواب أمام الأجيال الجديدة لتواصل مسيرة الإبداع.
واليوم، ونحن نعيش عصر الذكاء الاصطناعي والثورة الرقمية، تزداد أهمية المحافظة على الهوية الثقافية، وتوثيق الذاكرة الوطنية، وتعزيز القيم الإنسانية التي تشكل جوهر الشخصية الإماراتية.
ومن هنا، تبرز قيمة الرواد الذين أدركوا مبكراً أن الثقافة ليست ترفاً، وإنما هي قوة ناعمة، وأحد أهم عناصر بناء الأمم.
لقد استطاع معالي محمد المر أن يقدّم نموذجاً للمثقف الذي يجمع بين الأصالة والانفتاح، وبين الاعتزاز بالهوية والتواصل مع العالم.
وهذه المعادلة هي ذاتها التي نجحت دبي في ترسيخها، فأصبحت مدينة عالمية، تحتضن أكثر من مئتي جنسية، دون أن تفقد شخصيتها الثقافية أو خصوصيتها الوطنية.
إن الأجيال الجديدة بحاجة إلى قراءة تجربة محمد المر، ليس فقط للاستمتاع بإبداعه الأدبي، بل لفهم كيف يمكن للفكر والثقافة أن يكونا شريكاً حقيقياً في مسيرة التنمية.
فالأمم التي تحفظ ذاكرتها، هي الأمم الأقدر على صناعة مستقبلها، والمجتمعات التي تكرّم مبدعيها، هي المجتمعات التي تؤمن بأن الإنسان هو أعظم ثرواتها.
فقد تشرفت بعضوية مجلس إدارة ندوة الثقافة والعلوم، عندما كان معاليه رئيساً لمجلس إدارتها، وهي المؤسسة التي كان أحد مؤسسيها وروادها، كما تشرفت برئاسة نادي الإمارات العلمي الذي يعمل تحت مظلة الندوة، حيث كان معاليه يولي اهتماماً كبيراً بالشباب، ويؤمن بأن رعاية الموهبة العلمية والابتكار، لا تقل أهمية عن رعاية الأدب والفنون، بل إن جميعها تشكل منظومة متكاملة لبناء الإنسان.
وخلال تلك السنوات، رأيت فيه رجل الدولة الذي يجمع بين الرؤية الاستراتيجية والبعد الإنساني، ويؤمن بأن الجامعة ليست مؤسسة للتعليم فحسب، بل منارة للفكر والثقافة والبحث العلمي وخدمة المجتمع.
وفي هذا السياق، تأتي كلمات سمو الشيخ مكتوم بن محمد بن راشد آل مكتوم، تقديراً مستحقاً لمسيرة وطنية وثقافية امتدت عقوداً، ورسالة وفاء لكل من أسهم بإخلاص في بناء الهوية الثقافية لدبي ودولة الإمارات.
كما أنها تؤكد أن القيادة الرشيدة تنظر إلى الثقافة باعتبارها شريكاً أساسياً في مسيرة التنمية، وأن تكريم المبدعين هو في جوهره تكريم للقيم التي أسهموا في ترسيخها.
