نقيس الكثير من الأشياء في حياتنا من دون أن نشعر.
ننظر إلى الساعة حتى نعرف إن كنا سنتأخر، ونراجع مصروفاتنا حتى نعرف أين أنفقنا أكثر، ونقيس تقدم أبنائنا في الدراسة، ونتابع صحتنا، ونقارن أداءنا في العمل بما كنا عليه قبل عام.
نفعل ذلك لأننا نعرف، ببساطة، أن الإنسان لا يستطيع أن يطور شيئاً إذا لم يعرف وضعه أولاً.
لكن ماذا عن وعينا الأمني؟
لا أقصد هنا الأرقام والجداول والتقارير، ولا أتحدث عن عمل أمني متخصص، المقصود أبسط من ذلك بكثير: أن نتوقف أحياناً ونسأل أنفسنا إن كانت تصرفاتنا اليومية تجعلنا أكثر أماناً، أم أننا اعتدنا بعض السلوكيات حتى أصبحت تمر من دون ملاحظة، فالأمن في النهاية لا يبدأ دائماً من جهاز أو كاميرا أو رجل أمن، في كثير من الأحيان، يبدأ من تصرف صغير يقوم به شخص منتبه.
قد يكون إغلاق باب، أو عدم مشاركة معلومة شخصية، أو الانتباه إلى شخص يحاول الدخول إلى مكان غير مصرح له، أو الإبلاغ عن أمر غير معتاد، أو التأكد من أن مخرج الطوارئ في مكان العمل غير مغلق. أشياء بسيطة، لكنها عندما تتكرر تصبح ثقافة.
السؤال البسيط يصنع فرقاً، لنتخيل أسرة انتقلت إلى منزل جديد، من الطبيعي أن تهتم بالأثاث والإنارة وترتيب الغرف، وربما بنظام المراقبة أيضاً. لكن هل جلس أفراد الأسرة مرة واحدة وسألوا: ماذا نفعل إذا حدث طارئ؟ هل يعرف الجميع مخارج المنزل؟ وهل يعرف الأبناء بمن يتصلون عند الحاجة؟ وهل نترك أبواب المنزل مفتوحة أحياناً لأننا نعتقد أن «الأمر لن يحدث»؟
هذه الأسئلة البسيطة هي نوع من القياس. ليس المطلوب أن نكتب تقريراً، بل أن نعرف: أين نحن جيدون؟ وأين نستطيع أن نكون أفضل؟ والأمر نفسه في مكان العمل.
قد تكون الشركة مجهزة بأنظمة أمن وسلامة متقدمة، لكن موظفاً واحداً قد يترك الباب مفتوحاً لشخص لا يعرفه بدافع المجاملة. وقد تصل رسالة إلكترونية غريبة إلى أحد الموظفين، فيفتح رابطاً فيها من دون أن يتحقق منه. وقد يلاحظ آخر شيئاً غير طبيعي، لكنه يتردد في الإبلاغ لأنه يعتقد أنه أمر بسيط.
هنا ندرك أن التقنية مهما تطورت، تبقى بحاجة إلى إنسان واعٍ. الوعي لا يعني الخوف، فمن المهم أن نفرق بين الوعي الأمني والخوف.
الشخص الواعي لا يعيش وهو يتوقع الخطر في كل لحظة، ولا ينظر إلى كل من حوله بشك. بالعكس، الوعي يعني أن نعيش حياتنا بصورة طبيعية، لكن مع قدر مناسب من الانتباه والمسؤولية.
مثلما نضع حزام الأمان عندما نقود السيارة، نحن لا نضعه لأننا نتوقع وقوع حادث في كل رحلة، بل لأنه تصرف بسيط أصبح جزءاً من سلوكنا الطبيعي. وهكذا ينبغي أن ننظر إلى كثير من السلوكيات الأمنية.
إغلاق باب المنزل ليس خوفاً، وعدم مشاركة رمز الدخول مع الآخرين ليس مبالغة، والتأكد من هوية الشخص قبل السماح له بالدخول ليس إساءة، والإبلاغ عن أمر يثير القلق ليس تدخلاً في شؤون الآخرين، إنها ممارسات بسيطة تحمي الفرد وتحمي من حوله.
ماذا تغير هذا العام؟
هناك سؤال أراه مفيداً لكل شخص وأسرة ومؤسسة: هل نحن اليوم أكثر وعياً مما كنا عليه قبل عام؟
قد يكون التحسن بسيطاً جداً، ربما أصبح أفراد الأسرة أكثر حرصاً على عدم نشر تفاصيل السفر على وسائل التواصل الاجتماعي قبل العودة، وربما أصبحت الشركة أكثر اهتماماً بتعريف الموظفين بما يجب فعله في الحالات الطارئة.
وربما أصبح صاحب محل أكثر حرصاً على التأكد من أن كاميرات المراقبة تعمل بدلاً من افتراض أنها تعمل، وربما أصبح أحدنا أكثر انتباهاً قبل مشاركة بياناته الشخصية أو رمز التحقق الذي يصل إلى هاتفه، هذه كلها علامات تطور، ولا يحتاج التطور دائماً إلى مشروع كبير، أحياناً يبدأ من عادة صغيرة تغيرت، وإذا أردنا أن نقيس وعينا فعلاً، فربما يكون أفضل مقياس هو أن نسأل أنفسنا: كم سلوكاً صحيحاً أصبح عادة لدينا؟
لأن المعرفة وحدها لا تكفي، كلنا نعرف تقريباً أهمية إغلاق الأبواب، وحماية كلمات المرور، وعدم مشاركة المعلومات الخاصة، والانتباه في الأماكن العامة، لكن الفرق الحقيقي يظهر عندما تتحول المعرفة إلى سلوك تلقائي.
الأمن مسؤولية مشتركة. هناك تصور شائع بأن الأمن مسؤولية الجهات الأمنية أو شركات الحراسة أو المختصين فقط. هذه الجهات بالتأكيد لها أدوار أساسية، لكن المنظومة لا تكتمل من دون المجتمع. فالكاميرا تستطيع أن تسجل، والنظام يستطيع أن ينبه، ورجل الأمن يستطيع أن يستجيب، لكن الإنسان الموجود في المكان قد يكون أول من يلاحظ أن هناك شيئاً غير طبيعي. وهذا يجعل كل فرد جزءاً من منظومة الأمان، سواء أدرك ذلك أم لا.
في مؤسسة تنظيم الصناعة الأمنية، نتعامل مع قطاع يعتمد بصورة كبيرة على الأنظمة والتقنيات والمعايير والكفاءات المتخصصة، لكن خلف كل ذلك تبقى حقيقة بسيطة: التقنية تدعم الأمن، والوعي يكمله.
فلا قيمة لنظام متقدم إذا أُسيء استخدامه، ولا فائدة من تعليمات واضحة إذا لم يقرأها أحد، ولا يكفي أن نضع إجراءات للطوارئ إذا كان الأشخاص الذين يفترض أن يطبقوها لا يعرفونها.
ولهذا فإن بناء مجتمع أكثر أماناً لا يعتمد فقط على تطوير الأجهزة والأنظمة، بل على تطوير العلاقة التي تربط الإنسان بالأمن في حياته اليومية.
ابدأ بسؤال واحد، ربما لا نحتاج إلى قوائم طويلة حتى نرفع مستوى وعينا.
يمكن أن يبدأ الأمر بسؤال واحد:
ما الشيء البسيط الذي يمكنني أن أفعله اليوم ليكون المكان من حولي أكثر أماناً؟ قد تكون الإجابة التأكد من باب المنزل قبل النوم، أو تحديث كلمة مرور قديمة، أو شرح تصرف بسيط لأحد الأبناء، أو الإبلاغ عن عطل في نظام دخول المبنى ظل الجميع يمر بجانبه منذ أيام، أو معرفة مخرج الطوارئ في مكان نقضي فيه ساعات طويلة كل يوم، كل واحدة من هذه الخطوات تبدو صغيرة وحدها، لكنها عندما تصبح سلوكاً مجتمعياً تصنع فرقاً كبيراً، فالمدن الآمنة لا تصنعها الأنظمة وحدها، وإنما يصنعها أيضاً ملايين القرارات الصغيرة التي يتخذها أفراد واعون كل يوم، وفي النهاية، ربما يكون معنى «من يقيس، يتطور» أبسط مما نتصور.
أن ننظر إلى أنفسنا من وقت إلى آخر، لا لنسأل كم نملك من أنظمة الحماية، بل لنسأل:
هل أصبحنا أكثر انتباهاً؟
هل أصبحت عاداتنا أفضل؟
هل تعلمنا من الأخطاء؟
وهل أصبح الأمن جزءاً طبيعياً من سلوكنا، لا شيئاً نتذكره فقط عندما يحدث أمر ما؟
حين نستطيع الإجابة عن هذه الأسئلة، نبدأ فعلاً في معرفة أين نحن، وما الذي يمكن أن نحسنه.
فالوعي لا يُقاس بكثرة ما نعرف، بل بقدر ما نطبقه، ومن يراجع سلوكه يحسّنه، ومن يقِس يتطور.