نحو «كوجيتو» جديد

قلما وجدت جملة فلسفية غيرت وجه التفكير الإنساني كما فعلت جملة ديكارت «أنا أفكر إذاً أنا موجود»، والتي كانت اللَبِنةَ الأولى لمشروع كامل صاغه في كتابه «مقال عن المنهج»، أحد أهم النصوص التأسيسية في الفلسفة الحديثة.

حيث وضع أربع قواعد رأى أن على أي باحث عن الحقيقة أن يلتزم بها، وهي ألا يسلم بشيء إلا بعد التحقق منه بنفسه، وأن يجزئ المشكلات الكبرى إلى أجزاء صغيرة يسهل فحصها، وأن يرتب أفكاره بدءاً بأبسط المسائل وأسهلها، صاعداً منها تدريجياً نحو الأكثر تعقيداً، وأن يراجع في النهاية كل خطوة مراجعة شاملة تضمن ألا يكون قد أغفل شيئاً، ومن هذه الجملة اشتق مصطلح «الكوجيتو»، اللفظ اللاتيني لفعل أفكر.

وصار اسماً لتلك اللحظة التي يكتشف فيها العقل يقينه بذاته، وهذه القواعد أعلنت القطيعة مع موروث العصور الوسطى، فديكارت شك حتى في شهادة الحواس، ورأى أنها قد تخدعنا كما تخدعنا الأحلام، ومن هذا الشك وضع شرطاً للتفلسف الحق، وهو ألا يبدأ العقل من مُسَلمة موروثة، بل من يقين يبنيه بنفسه، وهكذا ولد مع الكوجيتو نموذج الفرد الذي يشترط أن يمر كل شيء عبر محكمة عقله وحده قبل أن يُعتمد!

وهذه الصورة أنتجت عِلماً وحرية فردية عظيمة القيمة، لكنها بالمقابل أسست لمزاج فكري نعيش نتائجه اليوم، إنساناً اعتاد أن يصل إلى قناعة ثم يتحصن فيها، ويحاكم كل مخالف له بمعيار صوابه هو، ويرى في الإصغاء تنازلاً لا فضيلة، وقبل ذلك بقرون، وفي سياق فكري مختلف تماماً، انشغل ابن رشد بمسألة لا تقل عمقاً حين كتب «فصل المقال».

حيث تناول إشكالية رفع التعارض الظاهري بين الفلسفة والشريعة، وبين العقل والنقل، وبَيّن وجوه التوافق بينهما، فحيث بدأ ديكارت من عقل يقطع كل صلة بما سبقه ليثق بنفسه وحدها، ذهب ابن رشد إلى أن العقل لا يكتمل يقينه إلا وهو في حوار مع إيمانه وموروثه.

ولم يكن مشروعه ذاتاً مستقلة تُثبت وجودها بالشك، بل قراءة تحاور ما هو قائم لتفهمه وتعيد بناءه من الداخل، وأنا لا أضع الرجلين في كفتي ميزان، فكل منهما أجاب عن سؤال يخص زمنه، لكن حين أنظر إليهما معاً أجد في رؤيتهما مادة خاماً تصلح لشيء أكبر، وهو كوجيتو آخر يستحق أن نبتكره اليوم!

وهذا الكوجيتو الجديد- كما أتصوره - ليس جملة فلسفية معزولة نحفظها ونرددها، بل صيغة بديلة عملياً عن «أنا أفكر إذاً أنا موجود».. وهي «أنا أسأل وأحاور.. إذاً أنا منتمٍ وحر في آن واحد»، فــ«أسأل» تحمل جرأة الشك الديكارتي وإصراره على عدم التسليم بشيء دون فحص، و«أحاور» تحمل روح ابن رشد التي ترفض أن يكتمل العقل بمعزل عن جماعته ونصه وتاريخه.

والفرق بين هذا الكوجيتو وسابقه ليس في درجة الشك، بل في عمقه وقيمته، فكوجيتو ديكارت يستخدم الشك ليصل إلى يقين يقف عنده وينغلق عليه، بينما الكوجيتو الذي اقترحه يستخدم السؤال كحالة دائمة تبقيه منفتحاً على مراجعة نفسه وعلى غيره ممن يخالفه!

وتتجلى الحاجة إلى هذا الكوجيتو في علاقتنا اليومية بالمعلومة، فنحن نعيش محاصرين بسيل لا ينقطع من الآراء المتضاربة، وأغلبنا يواجهه بإحدى طريقتين، إما التشبث برأي واحد وإغلاق الأذن عما عداه، أو فقدان الثقة بكل شيء والتوقف عن التفكير أصلاً، وكلا الموقفين لا يحل المشكلة بل يعمقها، والكوجيتو الجديد يقترح موقفاً ثالثاً، فمن يقرأ ويسأل ويقارن، ثم يصل إلى قناعة قابلة للمراجعة لا حكم نهائي.

والأمر نفسه ينسحب على قناعاتنا في العمل والعلاقات، فمن يعيش قناعاته دون فحص لا يملك رأياً حقيقياً فيها، بل يردد ما تلقاه فحسب، ومن يهدم كل موروث بحجة التحرر منه غالباً يترك فراغاً يملؤه أول يقين جديد يمر من أمامه!

وقد يبدو هذا الطموح متواضعاً أمام إرث ديكارت وابن رشد الفلسفي، غير أن التغيير الحقيقي نادراً ما يبدأ بنظرية مكتملة، بل بعادة صغيرة تتكرر حتى تصبح طبعاً، ففي عالم تتقاذفنا فيه الآراء والأخبار بلا هوادة، تحتاج عقولنا أن تحمل سؤالها معها أينما اتجهت، وهذا هو الكوجيتو الذي أراه ضرورياً اليوم، إذ يمارس العقل فيه شكه وانتماءه معاً، حين يفتح نقاشاً أو يراجع قناعة أو يصغي لمن يخالفه، فلا يكتمل وجوده إلا بهذا التكرار المتجدد!