حيث وضع أربع قواعد رأى أن على أي باحث عن الحقيقة أن يلتزم بها، وهي ألا يسلم بشيء إلا بعد التحقق منه بنفسه، وأن يجزئ المشكلات الكبرى إلى أجزاء صغيرة يسهل فحصها، وأن يرتب أفكاره بدءاً بأبسط المسائل وأسهلها، صاعداً منها تدريجياً نحو الأكثر تعقيداً، وأن يراجع في النهاية كل خطوة مراجعة شاملة تضمن ألا يكون قد أغفل شيئاً، ومن هذه الجملة اشتق مصطلح «الكوجيتو»، اللفظ اللاتيني لفعل أفكر.
وصار اسماً لتلك اللحظة التي يكتشف فيها العقل يقينه بذاته، وهذه القواعد أعلنت القطيعة مع موروث العصور الوسطى، فديكارت شك حتى في شهادة الحواس، ورأى أنها قد تخدعنا كما تخدعنا الأحلام، ومن هذا الشك وضع شرطاً للتفلسف الحق، وهو ألا يبدأ العقل من مُسَلمة موروثة، بل من يقين يبنيه بنفسه، وهكذا ولد مع الكوجيتو نموذج الفرد الذي يشترط أن يمر كل شيء عبر محكمة عقله وحده قبل أن يُعتمد!
حيث تناول إشكالية رفع التعارض الظاهري بين الفلسفة والشريعة، وبين العقل والنقل، وبَيّن وجوه التوافق بينهما، فحيث بدأ ديكارت من عقل يقطع كل صلة بما سبقه ليثق بنفسه وحدها، ذهب ابن رشد إلى أن العقل لا يكتمل يقينه إلا وهو في حوار مع إيمانه وموروثه.
ولم يكن مشروعه ذاتاً مستقلة تُثبت وجودها بالشك، بل قراءة تحاور ما هو قائم لتفهمه وتعيد بناءه من الداخل، وأنا لا أضع الرجلين في كفتي ميزان، فكل منهما أجاب عن سؤال يخص زمنه، لكن حين أنظر إليهما معاً أجد في رؤيتهما مادة خاماً تصلح لشيء أكبر، وهو كوجيتو آخر يستحق أن نبتكره اليوم!
والفرق بين هذا الكوجيتو وسابقه ليس في درجة الشك، بل في عمقه وقيمته، فكوجيتو ديكارت يستخدم الشك ليصل إلى يقين يقف عنده وينغلق عليه، بينما الكوجيتو الذي اقترحه يستخدم السؤال كحالة دائمة تبقيه منفتحاً على مراجعة نفسه وعلى غيره ممن يخالفه!
والأمر نفسه ينسحب على قناعاتنا في العمل والعلاقات، فمن يعيش قناعاته دون فحص لا يملك رأياً حقيقياً فيها، بل يردد ما تلقاه فحسب، ومن يهدم كل موروث بحجة التحرر منه غالباً يترك فراغاً يملؤه أول يقين جديد يمر من أمامه!