ليست كل المؤسسات المأزومة في حاجة إلى مزيد من الوقت.. أحياناً يكون الوقت نفسه جزءاً من المشكلة، خصوصاً حين تتراكم الممارسات الخاطئة، وتترسخ مواقع أشخاص، وتتحول الإجراءات المؤقتة إلى أعراف يصعب المساس بها.. عندها قد لا يجدي الإصلاح البطيء، ويصبح المطلوب تغييراً واسعاً وسريعاً يشبه ما يمكن تسميته بـ «الانقلاب الإداري»، فالتغيير في الإدارة لا يعني دائماً التدرج.
. هناك مؤسسات تبلغ مرحلة يصبح فيها الإبقاء على الوضع القائم أكثر كلفة من زعزعته، وقد يبدأ التحول بتغيير قيادات بقيت طويلاً في مواقعها من دون إضافة تذكر، بل ربما أصبحت هذه العناصر جزءاً من أسباب التراجع، وهنا تصبح مغادرة بعض الأسماء رسالة غير مباشرة، مفادها أن قواعد اللعبة القديمة قد تغيرت.
غير أن تغيير الوجوه هو أسهل خطوات مهمة التغيير، فالمؤسسات لا تتراجع بسبب الأفراد وحدهم، وإنما قد تكمن المشكلة في استراتيجية لم تعد صالحة، أو هيكل تنظيمي مترهل صار يعرقل القرار، أو ثقافة تكافئ الصمت وتقاوم المبادرة. ولذلك فإن إقصاء مسؤول والإبقاء على النظام الذي صنع المشكلة قد لا يؤدي إلا إلى إنتاج المشكلة نفسها بوجه جديد.
ومن هنا يميز علم الإدارة بين التغيير المخطط له (Planned Change)، وهو التحول المتعمد استجابة لمشكلة أو ضغوط أو أهداف جديدة، وبين التغيير غير المخطط له (Unplanned Change)، الذي تفرضه أحداث مفاجئة لم تكن المؤسسة مستعدة لها، وهي فكرة أحرص على تكرارها في دوراتي للقياديين، وفي الحالة الأولى تكون فرصة النجاح أكبر وذلك عندما يدرك العاملون أصل المشكلة وضرورة معالجتها، فمن الصعب إقناع الناس بدواء لمشكلة لا يعتقدون أصلاً أنها موجودة.
وفي الجانب الآخر رأينا بعض الأوضاع السائدة التي تتطلب ما يعرف بـ «التغيير الثوري» (Revolutionary )، أو التغيير الذي يغير الوضع السائد، وهو تحول سريع وعميق لا يكتفي بتحسين أجزاء من المؤسسة، بل يعيد النظر في هياكلها وأنظمتها وطرق عملها وربما ثقافتها ككل، وتكمن قوته في قدرته على كسر الجمود، لكن سرعة هذا التغيير الثوري تحوي في طياتها مخاطر كبيرة.. أحياناً، إن لم يكن مدروساً.
وأبرز تلك المخاطر أن يشعر العاملون بأن الخطر بدأ يداهمهم، ففي فترات التحول الحاد قد تفقد المؤسسة، من دون أن تقصد، كفاءات تحتاج إليها لاحقاً، أو تتخذ قرارات يصعب التراجع عنها.
فهناك من الكوادر المميزة ما إن تشعر بمحاولات اجتثاث عشوائية لزملائها فإنها تغادر فوراً باعتبارها مرغوبة في أماكن أخرى، ولهذا تلجأ الإدارات الحصيفة إلى اختبار بعض التغييرات في نطاق محدود، أو تطبيق مرحلة انتقالية تسمح بقياس النتائج قبل تعميم التجربة.
أما مقاومة التغيير فليست دائماً دليلاً على أن العاملين يعارضون الإصلاح، ففي بعض الأحيان يقاوم الناس لأنهم لا يعرفون إلى أين تتجه المؤسسة، أو ماذا سيحدث لهم، أو لماذا اتخذت القرارات بهذه السرعة، ولذلك فإن التواصل الواضح والشفاف في مراحل التحولات الكبرى ليس ترفاً إدارياً، بل جزء من إدارة المخاطر نفسها.
المفارقة أن نجاح «الانقلاب الإداري» لا يقاس بعدد من غادروا مناصبهم، ولا بضجيج القرارات التي صدرت في أيامه الأولى.. الاختبار الحقيقي يأتي بعد أن تضع معركة التغيير أوزارها، فنرى هل أصبحت المؤسسة أسرع وأكفأ؟ وهل تحسنت نتائجها؟ وهل تغيرت طريقة اتخاذ القرار؟ فالتغيير الجذري الناجح ليس المقصود به ما يهدم القديم بسرعة، بل الذي ينجح في بناء ما هو أفضل منه بصورة مدروسة وتدريجية.