دخلت الإمارات قائمة أكبر عشرة مصدرين للسلع في العالم، وصعدت إلى المركز التاسع عالمياً في تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر، واقتربت تجارتها الخارجية غير النفطية من تريليوني درهم خلال 6 أشهر، هذه الأرقام تُقرأ عادة باعتبارها مؤشرات نجاح اقتصادي، لكنها ترسم في الوقت نفسه خريطة جديدة للنفوذ والمصالح، فكل سوق تدخلها الإمارات، وكل ميناء تديره، وكل استثمار استراتيجي تعقده، يضعها في مساحة تتقاطع فيها مصالح دول وشركات وقوى أخرى.
في الاقتصاد، لا يُنفق المال من دون عائد متوقع، وفي السياسة لا تُستثمر المنصات والشبكات والوقت في استهداف دولة من دون مصلحة، ولهذا يحمل حديث معالي الدكتور أنور قرقاش، المستشار الدبلوماسي لصاحب السمو رئيس الدولة، هذا الأسبوع عن «هدر الجهد والمال في استهداف الإمارات»، دلالة تتجاوز الحملات الإعلامية نفسها، فحين تتسع حصة دولة من الاقتصاد والنفوذ، تتسع معها دوائر المنافسة، ويصبح فهم ما تتعرض له مرتبطاً بفهم ما أصبحت تمثله في حسابات الآخرين.
خريطة المصالح الإماراتية اليوم تفسر جانباً مهماً من هذا التحول، في الولايات المتحدة يمتد إطار استثماري إماراتي بقيمة 1.4 تريليون دولار على 10 سنوات إلى الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات والطاقة والتصنيع والبنية التحتية، وفي أفريقيا تجاوزت الاستثمارات الإماراتية 110 مليارات دولار بين 2019 و2023، لتصبح الدولة رابع أكبر مستثمر في القارة والأولى عالمياً من حيث حجم المشاريع الجديدة، وفي آسيا الوسطى أصبحت الإمارات ثاني أكبر مستثمر آسيوي بعد الصين باستثمارات بلغت 15.5 مليار دولار، وفي آسيا تربط اتفاقيات الشراكة الاقتصادية الدولة بأسواق كبرى من الهند وإندونيسيا إلى كوريا الجنوبية، فيما تمتد استثمارات الصناديق والشركات الوطنية عبر أوروبا وأمريكا اللاتينية.. هذه الخريطة تضع الإمارات في قلب قطاعات وأسواق تتنافس عليها القوى الاقتصادية الكبرى.
ومع اتساع هذا الحضور تتغير طبيعة المنافسة، فالميناء يحمل قيمة تجارية وجيوسياسية، ومركز البيانات أصبح جزءاً من معادلة الأمن التكنولوجي، والاستثمار في المعادن الحرجة يدخل في المنافسة على صناعات المستقبل، واتفاقيات التجارة تعيد توجيه التدفقات بين الأسواق.. سنغافورة مثلاً عرفت ذلك حين حولها صعودها التجاري والمالي والمينائي إلى منافس أعاد تشكيل موازين المنطقة وأثار حساسيات مع ماليزيا وإندونيسيا، واليابان واجهت مقاومة سياسية وتجارية أمريكية مع صعودها الصناعي والتجاري، ثم جاءت الصين لتجد أن اتساع حصتها من التجارة والتكنولوجيا يضعها في مواجهة متزايدة مع مصالح أمريكية وأوروبية.. اختلف حجم كل تجربة ومسارها، وبقي الصعود الاقتصادي في كل منها مصحوباً بإعادة ترتيب لموازين المنافسة من حولها.
بالنسبة إلى الإمارات، هذا هو التحول الأهم: اتساع حضورها الاقتصادي رفع وزن قراراتها خارج حدودها.. خياراتها في الاستثمار والتجارة والتكنولوجيا والطاقة أصبحت تمس مصالح أطراف أكثر، وشبكة شراكاتها تمنحها مساحة أوسع للحركة والاستقلالية في القرار، ومع ارتفاع أثر الدولة في حسابات الآخرين، تصبح المنافسة معها أكثر تعقيداً، وتنتقل من الأسواق والعقود إلى السياسة والصورة والسمعة.
هنا تأخذ الحملات الموجهة ضد الإمارات معناها الأوسع، فالمنافسة بين الدول امتدت من الأسواق والعقود والاستثمارات إلى القدرة على تشكيل الانطباعات والروايات، وأصبحت الصورة جزءاً من أدوات التأثير في البيئة التي تتحرك فيها المصالح. وقد كتبت في مقال سابق أن «الثقة أصل الإمارات السيادي»، وهو رصيد راكمته الدولة عبر سنوات من الاستقرار والأداء والوفاء بالتزاماتها، وتحول إلى قيمة اقتصادية واستراتيجية تظهر في قرارات المستثمرين والشركات والحكومات، ومن هذه الزاوية يمكن فهم كثافة المحاولات الموجهة إلى صورة الإمارات، فكلما ارتفعت قيمة الأصل، ازدادت محاولات المنافسين للتأثير في البيئة المحيطة به.
أمام هذه المعادلة، اختصر معالي الدكتور أنور قرقاش المقاربة الإماراتية بقوله إن «الفعل أقوى من ردود الفعل»، فالجهد الذي يُبذل في الاستهداف تقابله الإمارات بمزيد من العمل والإنجاز، وتواصل توسيع تجارتها وشراكاتها وقدراتها وحضورها العالمي، فتضيف مع كل نتيجة جديدة رصيداً آخر إلى ذلك الأصل السيادي الذي يصعب بناؤه سريعاً، ويصعب اختزاله في حملة عابرة.
الحملات تتغير، والخصومات تتبدل، ومصالح الدول تعيد تشكيل مواقعها باستمرار، أما النفوذ فيبنى بالتراكم، سوقاً بعد سوق، وشراكة بعد أخرى، وإنجازاً فوق إنجاز.. ولهذا ربما تحمل الإجابة عن سؤال «لماذا أصبحت صورة الإمارات هدفاً؟» حقيقة أبسط: لأن مساحة تأثيرها أصبحت أكبر، والمنافسة هي الضريبة التي تدفعها عند امتلاك القوة.