الهوية الجمالية «موسم الأشجار»

المدن الحديثة تحتاج إلى كائن أقدم من الإنسان لتقدمه كهوية.


أن تجعل الفرد يتحرك في محيط عصري يقابل «الأخضر» في يومه فهذا بالضبط بأن تكون بقربه صديقاً يرى الأسمنت في بعد معماري متقن بينما الزجاج الذي يحيطه يعكس غابة الأشجار فهذا بالضبط ما يدفعه بأن يتوازن وفي السياق الجمالي لهوية المدينة يأتي المثل الصيني «أفضل وقت لزراعة شجرة كان قبل عشرين سنة، وثاني أفضل وقت هو الآن» ومنها تأتي الهوية الجمالية للشجرة كحالة مؤكدة لنبض الحياة لأنها لا تأتي في سياق هندسي ومعماري صارم أو تكرار متطابق هي تنبت وتكبر في فوضى الطبيعة وتفرش ذراعيها لاتجاهات الهواء والمطر لتأخذنا عن الزوايا الحادة من مدن أقل صلابة إلى أكثر إنسانية وهذا كل ما كان يغمرني وأنا أتذكر مشهد الشاحنات وهي تقف بحجم أحلامنا في منتصف الثمانينيات وهي تحمل شتلات الأشجار وتصففها بقرب الحديقة العامة الصغيرة التي كانت تبعد على بعد شارعين من بيتنا لم تكن الأشجار حينها بالنسبة لي وأنا ابن «بائع الأشجار» كائنات غريبة حين تكون واقفة بقربك بكميات كبيرة، وأنت تعلم بأنها ستكبر معك ببركة الأرض التي نقف عليها، في نفس اليوم كتبوا في الصحف التي كانت تقرأ بعض عناوينها في بقالة عيسى بصوت عالٍ بأن الدولة تحتفل بأسبوع التشجير «عيد الشجرة» وسيتم الاحتفال بزراعة الأشجار بحضور فرقة استعراضية موسيقية عسكرية، بقينا طوال اليوم واقفين ننتظر المشاركة في زراعة الأشجار كنّا أصغر من حجم الأشجار متحمسين ونحن نسمع العزف الحي والكلمات التي كانت تقال من ميكرفون بسماعات كبيرة وهي تحتفي بفكر الوالد المؤسس الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان حول الزراعة والبيئة، كنا نصفق بشدة وبدون توقف ونحن نسمع اسمه تغمرني الفرحة وكأنه بيننا، بعد أن تم غرس الأشجار من المسؤولين ركضنا مع بقية الصغار للمشاركة هكذا كبرنا في هذا الوطن مع الأشجار.


منذ تأسيس الاتحاد أصبح الأخضر فتنة هذه الأرض المباركة وهي تشهد سلسلة غابات ممتدة في كل بقعة من أبوظبي العاصمة إلى العين وحولها بكل جمال إلى أراضٍ شاسعة من الأشجار تصل بك إلى دبي وحين تدخل الشارقة تجد نفسك في حضرة الجمال بامتداد شوارعها وفي كل إمارة ستستقبلك الأشجار في رأس الخيمة التي تعيش في حضن الطبيعة إلى عجمان وأم القيوين وهي تزين بيوتهما وشوارعهما بالأشجار ومنهما إلى الفجيرة والمناطق الشرقية وهي تجمع ثلاثية الجبل والبحر والمزارع ولا شيء يمكن أن يكون أكثر قيمة مثل مدينة الظفرة غرب الدولة بواحاتها الممتدة بروح الأرض كما أحب «زايد» دوماً.

«موسم الأشجار» انتباه عبقري من الفريق الحكومي وتحديد الشجرة يأتي ضمن قيمة بصرية مستمدة من معلومات بيئية واضحة تعمل عليها المدن التي تعرف زوايا المدينة من الهامش إلى المركز، هذا الفريق الذي يضعنا في تلك المبادرات يرى «دبي» بعين ثالثة.