يُحكى أن سيزيف كان ملكاً ماكراً استطاع أن يخدع الموت مرتين، فضاق صبر الآلهة عليه، فاخترعت له عقاباً غريباً، صخرة يدفعها طوال حياته إلى قمة جبل، وكلما اقترب من القمة وكاد يستريح، انفلتت من بين يديه وتدحرجت إلى الأسفل، فينزل خلفها ليبدأ من جديد، وهذه الأسطورة اليونانية القديمة التي ورد أول ذكر لها في ملحمة الأوديسة لهوميروس، أخذها الفيلسوف الفرنسي، ألبير كامو، وجعل منها مرآة لحال الإنسان في كتابه «أسطورة سيزيف» الصادر عام 1942، ذلك الإنسان الذي يعمل ويخطط ويبني، ثم يكتشف أن أغلب ما بناه قابل للانهيار أو التكرار دون أن يوصله إلى شيء أو نتيجة!
ومن هذه الصخرة بالذات خرج مفهوم العبث عند كامو، فلم يكن يراه صفة في العالم أو الإنسان وحده، وإنما شيئاً يولد حين يصطدم توقنا الدائم للمعنى والوضوح بصمت الواقع الذي لا يجيب ولا يكترث، هذا الصمت بالذات هو ما يسميه كامو بـ«اللامعقول»، ويتساءل بعدها إن كانت الحياة تستحق أن تعاش رغم كل هذا، فيجد جوابه بعيداً عن الانتحار والاستسلام معاً، في فكرة يسميها التمرد، وهي ببساطة أن يواصل الإنسان دفع صخرته وهو يعرف تماماً أنها ستتدحرج من جديد، دون أن يخدع نفسه بوعود كبرى تريحه مؤقتاً، من هنا جاءت خاتمته الشهيرة، حين قال: «يجب أن نتخيل سيزيف سعيداً، فسعادته تأتي من قبوله بمصيره ومواجهته له كل يوم بوعي كامل، لا من وصوله يومياً إلى القمة».
هذه الحكاية القديمة تلامس حياتنا أكثر مما نتصور، فعلى سبيل المثال علاقتنا بهواتفنا التي نفتحها عشرات المرات يومياً بحثاً عن تواصل أو اهتمام أو مجرد إلهاء، ثم نغلقها بنفس الفراغ الذي بدأنا به، وهذا ليس مجرد انطباع شخصي، فقد رصد الفصل الثاني من تقرير السعادة العالمي لعام 2026، الصادر عن جامعة أوكسفورد بالشراكة مع غالوب والأمم المتحدة، أن الاستخدام المكثف لوسائل التواصل يرتبط بانخفاض واضح في الرضا عن الحياة وارتفاع مستويات القلق والاكتئاب، خصوصاً عند الفتيات، فوسائل التواصل الاجتماعي بكل ذلك الزخم الذي تعرض به حياة الأشخاص من حولنا، تخلق إحباطاً يجعل ثقتنا تنهار شيئاً فشيئاً، بل يجعل إدراكنا لقدراتنا يتراجع أمام تلك الصورة المثالية المحنطة خلف الشاشات، بغض النظر إن كانت واقعية أو مجرد تزييف للواقع!
وخارج الشاشات نرى الشيء نفسه بصورة أوضح، كأن يقضي أحدهم سنوات في بناء مشروع، ثم تأتي أزمة واحدة، أو قرار لم يكن بيده، فينهار كل شيء في يوم واحد، وهذا التعب تحديداً، تعب من ينتبه فجأة أن الجهد لا يضمن ثباتاً، وأن الخسارة قد تأتي مهما كان الحرص، وهذا ما كان يشغل كامو حين كتب عن سيزيف، فهذا النمط المتكرر في حياة أي إنسان هو بيت القصيد، ولعله يفسر شعور كثيرين، بعد أزمة كبرى مرت على مجتمعاتهم، كوباء أو انهيار اقتصادي أو حرب، بأن كل التخطيط الذي بنوا عليه حياتهم كان مجرد وهم مؤقت سرعان ما كشف الواقع هشاشته، فوجدوا أنفسهم يعيدون البناء من الصفر وكأن السنوات الماضية لم تكن.
والفكرة التي يقترحها كامو أمام كل هذا هي تغيير نظرتنا للصخرة نفسها، أن نعمل ونبني ونحاول، مدركين أن الفعل بذاته يمنحنا كرامة كافية حين نمارسه بوعي وبلا أوهام، فالتصالح مع طبيعة الصخرة أو الأزمة هو كل ما يملكه الإنسان، من خلال أن يستمر في الدفع لأن السعي والبذل بذاتهما يكفيان، وهذا بالضبط ما يمنح الفكرة معناها اليوم، فالمعركة الحقيقية تكمن في الطريقة التي نخوض بها التكرار، فنفس المهمة التي تبدو رتيبة لمن يؤديها بلا وعي، قد تتحول إلى مصدر إنجاز حقيقي حين نمارسها بحضور كامل وإدراك لقيمتها.
وهنا بالضبط تكمن جدلية العبث، إذ لم يعد الاستمرار من عدمه خياراً بأيدينا أصلاً، فالحياة تفرض علينا الاستمرار شِئنا أم أبَينا، وإنما الجدل الفعلي الذي يستحق أن ننشغل به هو كيف نستمر، فبين من يدفع صخرته وهو واعٍ تماماً بمصيره ومؤمن بالتحولات والمنعطفات، وبين من يدفعها في غفلة لا يسأل نفسه فيها عن شيء، مسافة كاملة، مسافة قد تكون هي الفرق الوحيد الذي يبني ثقتنا ويمنح حياتنا معنى!
