نشرت «بي بي سي»، أخيراً، تقارير عن القراءة الحرة، وما يمكن أن تفعله في صحة الإنسان وقدرته على التعلم، بل وفي مقاومة بعض مظاهر التراجع الذهني مع تقدم السن.
القراءة، كما تقول الدراسات، ليست مجرد وسيلة لجمع المعلومات، وإنما تمرين للعقل، مثلما أن المشي تمرين للجسد.
تذكرت وأنا أقرأ ذلك حادثة قديمة في أحد معارض الكتب العربية. كنت أسير مع صديق، ورأينا صفاً طويلاً من الشباب ينتظرون شراء كتب لمؤلف كان يومها يحظى بشعبية واسعة،.
فقد كان معتمداً على الخرافة، قال صاحبي بشيء من الضيق: انظر، يقفون كل هذا الوقت ليشتروا مؤلفات تافهة.. قلت له: فليقرأوا أي شيء، المهم أن يقرأوا.
ما زلت أعتقد أن ذلك هو المدخل الصحيح.. لا تبدأ مع القارئ الجديد بمحاضرة عن ماذا يجب أن يقرأ.. دعه أولاً يكتشف متعة القراءة.. الذائقة تأتي بعد ذلك.. من يبدأ بكتاب بسيط قد يصل غداً إلى كتاب أكثر عمقاً، أما من لا يفتح كتاباً أصلاً فلن يصل إلى شيء.
مشكلة القراءة في عالمنا العربي، وفي الخليج أيضاً، لم تحظ في رأيي بما تستحقه من دراسة علمية جادة.. كنا نسمع لسنوات رقماً غريباً يقول إن العربي يقرأ 6 دقائق في السنة، في مقابل مئات الساعات للأوروبي.
الرقم تكرر حتى أصبح كأنه حقيقة، ثم جاءت دراسات أحدث لتقول إن الصورة ليست بذلك السوء، وإن المواطن العربي يقرأ ساعات أكثر مما زعمته تلك الإحصاءات، إلا أن الواقع يقول إن القراءة في فضائنا لا زالت متدنية.
المهم عندي ليس 6 دقائق أو 35 ساعة.. السؤال الأهم: ماذا نقرأ؟ وكيف نقرأ؟ وهل بقي لدينا صبر على القراءة؟
هنا تبدو المشكلة أكثر وضوحاً.. الهاتف المحمول غيّر علاقتنا بالكلمة.. أصبحنا نريد الفكرة في سطر، والخبر في عنوان، والقصة في دقيقة، وإذا طال المقطع ضغطنا على زر التسريع!،
وسائل التواصل الاجتماعي دربتنا على العجلة، ثم أخذنا هذه العجلة معنا إلى الكتاب والصحيفة والمقال.
كثيراً ما أقابل أشخاصاً يبدأون حديثهم معي بمجاملة لطيفة: «مقالاتك ممتازة، بس يا ليت تكون أقصر».. أبتسم، وأفهم الرسالة.. ربما يريد بعض القراء مقالاً يبدأ وينتهي قبل أن يصل المصعد من الطابق الثاني إلى الأرضي!
المسألة هنا ليست طول مقالاتي، وإنما عادة اجتماعية جديدة.. بدأنا نفقد الصبر على النص الطويل.. كتاب من 500 صفحة أصبح يبدو للبعض مثل رحلة شاقة، مع أن أجيالاً سابقة كانت تقرأ مثل هذه الكتب في أيام قليلة، ودون أن تشعر بأنها تقوم بعمل بطولي.
ومع ذلك لا ينبغي أن نظلم الهاتف نفسه.. القراءة الرقمية تتوسع عربياً، والكتاب الصوتي أصبح رفيقاً للبعض في السيارة أو أثناء المشي.
والبودكاست أعاد بعض الناس إلى الاستماع إلى الأفكار المطولة.. الوسيلة تغيرت، وهذا طبيعي.. الخطر فقط أن يتحول الاختصار من وسيلة إلى طريقة تفكير.
هناك مبادرات عربية تستحق التقدير، ومنها «تحدي القراءة العربي» الذي ينطلق من دبي ودفع ملايين الطلبة إلى الاقتراب من الكتاب..
أذكر في السنوات الأولى لجامعة الكويت أن قررت الإدارة أن تعطي كل طالب جديد خزانة صغيرة ومعها بعض الكتب كنواة لمكتبة منزلية، كانت مبادرة لافتة.
مثل هذه المبادرات مهمة، ولكن الأهم أن تصبح القراءة عادة منزلية. الطفل الذي يرى أباه أو أمه يقرآن يتعلم من المشهد أكثر مما يتعلم من 100 نصيحة..
نحن نتحدث كثيراً عن الرياضة والغذاء الصحي والفحوص الدورية، وكلها ضرورية. ربما علينا أن نضيف إليها عادة أخرى: نصف ساعة قراءة كل يوم.. بعيداً عن الرسائل والتنبيهات.. يتعلم فيها العقل أن يصبر، وأن يتابع فكرة من بدايتها إلى نهايتها.
القراءة لا تمنحنا المعلومات فقط، إنها توسع الخيال، وتعلمنا رؤية العالم بعيون الآخرين، وتحمينا من أن نصدق أول كلام يمر أمامنا على شاشة صغيرة..
هذا أعود إلى عبارتي القديمة لصاحبي في معرض الكتاب: دعهم يقرأون ما يشاؤون.. المهم أن يقرأوا. اقرأوا... فقد تكون القراءة أيضاً وصفة للصحة.