محمد بن راشد.. خزام الهوية وذاكرة الوطن

إن اهتمام صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، رعاه الله، بالتراث الإماراتي بشكل مستمر لا ينقطع، واطلاع سموه مؤخراً على مشروع بحثي يوثق جذور الخزام التاريخية وتطور استخداماته ودلالاته الثقافية والاجتماعية.

يرفع من همم الباحثين والمختصين ويزيد من عزمهم وإصرارهم على مواصلة البحث في كل عنصر من عناصر التراث الإماراتي المادي وغير المادي، والتركيز بشكل أكبر على تقديم تراثنا العريق بأبهى صوره، وكيف نبحث فيه ونوثقه، ثم نعيد تقديمه للأجيال الجديدة.

يبدو الخزام للوهلة الأولى تفصيلاً صغيراً من تفاصيل الزي والحياة القديمة، لكن الباحث في التراث يعرف أن التفاصيل الصغيرة قد تقود إلى حكايات كبيرة، فالقطعة التي ارتبطت بحياة الإنسان في هذه الأرض.

ورافقته في بيئته وتنقله، ثم انتقلت معه من الاستخدام اليومي إلى المجال الاجتماعي، اكتسبت مع الزمن دلالتها الرمزية وأصبحت من العلامات المميزة في الذاكرة الإماراتية، وهذا تحديداً ما يوثقه المشروع عبر تتبع الخزام في مراحله الوظيفية والاجتماعية والرمزية.

والخزام هو العقال التقليدي القديم الذي كان يرتديه الرجال في الإمارات والمنطقة لتثبيت الغترة أو العصابة قبل ظهور العقال بشكله المعاصر.. وكان يصنع من الصوف أو شعر الإبل، ويُغزل ويُجدل بعناية، ثم تضاف إليه العقد والحلقات والسلاسل الفضية المتدلية..

وقد رافق حياة الإنسان في هذه الأرض وبيئتها الصحراوية، واكتسب مع الزمن حضوراً اجتماعياً ودلالات عظيمة ارتبطت كصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد نفسه، بالحزم والقوة والثبات.

ارتبط الخزام في جذوره بالقيادة والتنقل في الإمارات، وحين نطلع على صناعة الخزام نجد أنها كانت تبدأ من مواد البيئة، من الصوف أو شعر الإبل، ثم الغزل وتحويل الألياف إلى خيوط دقيقة، فجدلها لتكوين حبل متين.

وإضافة العقد والحلقات والسلاسل الفضية.. وراء هذه المراحل يد تعرف المادة، وعين تعرف التفاصيل، وخبرة تراكمت بالممارسة وانتقلت من شخص إلى آخر ومن جيل إلى جيل.

وجهة نظري أن كل حرفة شعبية تحمل معرفة غنية، ولهذا سرني أن المشروع أبرز دور الحرفيين والحرفيات الإماراتيين في المحافظة على مهارات صناعة الخزام ونقلها عبر الأجيال.

فحين نوثق اسم المادة وطريقة الغزل والعقدة وكيفية الصناعة، فإننا نوثق جانباً من معرفة المجتمع، وحين نسجل صوت الحرفي والحرفية وتجربتهما فإننا نحفظ أيضاً الطريق الذي سلكته تلك المعرفة حتى وصلت إلينا.

كما نقول دائماً، نحتاج نحن وكل الأجيال القادمة التي ستختص بدراسة التراث الإماراتي أن نتعمق أكثر ونفتش أكثر في ذاكرتنا عن حياة أجدادنا وأسلافنا،.

وهذه الذاكرة قد تحمل قصيدة، ورواية شفوية وحكايات وأغاني، وأيضاً قطعة لباس، وأداة الحرفي الذي صنعها وكيفية صناعتها والمواد المستخدمة من البيئة الإماراتية.

وكذلك صور قديمة ومشاهد محفورة في الذاكرة، إضافة إلى كل عادة وكلمة ومفردة شعبية إماراتية ما زال كبار المواطنين يتذكرون معناها واستخدامها،.

فتصبح مهمة الباحث أن يبحث عن جميع هذه الخيوط بدقة وأمانة علمية منهجية، وكأنه يرسم لوحة كاملة يصدر منها صوت ولحن الماضي بأقرب ما يمكنه تقريبه إلى حياة الأجداد والأسلاف.

شارك في مشروع الخزام باحثون ومختصون وحرفيون ومبدعون، ودخل رواد الأعمال والمصممون الإماراتيون في عملية إعادة تقديم الخزام من خلال تصاميم ومنتجات معاصرة، وهذه خطوة تستحق التأمل والتشجيع، لأن استمرار الموروث يرتبط أيضاً بقدرته على البقاء حاضراً في حياة المجتمع.

والمشروع نفسه يقدم الخزام كمنظومة تضم المعرفة والمهارة والمواد وأساليب الصناعة والقصص الإنسانية المرتبطة بها..

وأرى أن هذه النظرة مهمة جداً في تعاملنا مع تراثنا غير المادي، لأنها تعيد الإنسان إلى قلب عملية الصون.

فإذا أخذنا الخزام إلى المدرسة، مثلاً، يمكن للطفل أن يرى المادة ويلمسها، وأن يشاهد الحرفية وهي تغزل الخيط، وأن يسمع بيتاً من الشعر ورد فيه الخزام، ثم يرى كيف استلهمه مصمم معاصر، خلال تجربة واحدة يكون الطفل قد دخل إلى اللغة والشعر والحرفة والبيئة والتاريخ والتصميم.

وهكذا تصبح المعرفة التراثية تجربة مترابطة، يستطيع الجيل الجديد أن يفهم من خلالها لماذا بقي هذا العنصر في ذاكرة مجتمعه.

الخزام الإماراتي يجعلنا نعي أن ذاكرة الأوطان لا توجد في الأشياء الكبيرة فقط، بل قد تختبئ في قطعة صغيرة ارتداها الأجداد، وفي مهارة بقيت في يد حرفية، وفي كلمة حفظها شاعر، وفي تفصيل ظنناه عابراً ثم اكتشفنا أنه يحمل تاريخاً من العلاقة بين الإنسان وبيئته ومجتمعه.