حين ترحل صفحة من تاريخ دبي


أعادني خبر وفاة الشيخ أحمد بن راشد آل مكتوم إلى صور دبي القديمة؛ إلى المدينة قبل الأبراج العالية والطرق الواسعة، وقبل أن تصبح وجهة يأتي إليها الناس من كل مكان. لم أفكر أولاً في المناصب التي تولاها الراحل، بل فكرت في ذلك الجيل الذي بدأ الحكاية، وعمل من أجل مدينة لم تكن ملامحها قد اكتملت بعد. عشت في دبي سنوات طويلة، وكلما تأملت ما وصلت إليه، أدركت أن المدن لا يصنعها المال وحده، بل يصنعها رجال يؤمنون بالمستقبل قبل أن يصبح واقعاً.

والشيخ أحمد بن راشد آل مكتوم كان واحداً من رجال ذلك الجيل؛ شهد البدايات، وشارك في المسيرة، ثم رحل بعدما رأى الحلم الذي بدأه الآباء حقيقة أمام العالم. هو ابن الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، طيب الله ثراه، الذي ارتبط اسمه ببناء دبي الحديثة، وقد عاش قريباً من مرحلة التأسيس، وشهد التحولات التي انتقلت خلالها دبي من مدينة بسيطة على ضفاف الخور إلى مدينة يعرفها العالم كله.

كان قليل الظهور، هادئ الحضور، يترك العمل يتحدث عنه. وهذه صفة أصبحت نادرة في زمن بات فيه البعض يهتم بالصورة أكثر من الأثر. خدم الشيخ أحمد بن راشد وطنه في الميدان العسكري والأمني، بعد تخرجه في أكاديمية ساندهيرست العسكرية الملكية، وأسهم في تطوير القيادة العسكرية المركزية في دبي، كما شغل منصب نائب رئيس الشرطة والأمن العام، وكانت له إسهامات في مجالات اقتصادية ورياضية متعددة، لكنها جميعاً حملت السمة نفسها: عمل مستمر بعيداً عن الضجيج.

وعند الحديث عنه، لا يمكن تجاوز علاقته بنادي الوصل، فلم يكن بالنسبة إلى جماهير النادي مجرد رئيس، بل كان جزءاً من تاريخ الوصل ووجدانه. ارتبط به في أيام الانتصار وفي الأوقات الصعبة، وبقي اسمه حاضراً لدى جماهيره بوصفه الأب الروحي للنادي. وهذا النوع من العلاقة لا تصنعه المناصب، بل تصنعه السنوات والمواقف والوفاء.

كانت الخيل عالماً آخر أحبه الراحل وأخلص له. ومن خلال مضمار جبل علي وإسهاماته في سباقات الخيل، حمل جانباً أصيلاً من تراث الإمارات إلى ميادين واسعة داخل الدولة وخارجها. فالخيل في ثقافتنا ليست رياضة فقط، وإنما تاريخ وقيم وعلاقة قديمة بين الإنسان العربي والأرض.

وفي يوم رحيله، توقفت طويلاً أمام كلمات صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم وهو يودع أخاه قائلاً: "تغيب عن أعيننا ولا تغيب عن دعائنا وقلوبنا يا أحمد". لم تكن كلمات حاكم يرثي شخصية عامة، بل كلمات أخ يودع أخاه، وربما لهذا وصلت إلى القلوب بهذه السرعة؛ لأنها كانت بسيطة وصادقة، ولأن الحزن الصادق لا يحتاج إلى كثير من الكلام.

لقد رحل الشيخ أحمد بن راشد، لكن الذين يشاركون في بناء الأوطان لا يغيبون تماماً. تبقى أسماؤهم في تاريخها، وتبقى آثارهم في الأماكن التي أحبوها وخدموها، وفي ذاكرة الناس الذين عرفوا قيمة ما قدموه. رحم الله الشيخ أحمد بن راشد آل مكتوم رحمة واسعة، وأسكنه فسيح جناته، وألهم صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، وأسرة آل مكتوم الكرام، وشعب الإمارات، الصبر والسلوان.