‏‏رسالة محمد بن راشد إلى الجيل الجديد

إن صناعة المستقبل تبدأ من الثقة بالإنسان، والإيمان بقدرته على الإنجاز والإبداع، وتهيئة الطريق أمامه ليضيف إلى منجزات الأجيال منجزات أكبر، ويصل بوطنه إلى آفاق أرحب، وهذه المعاني المضيئة تتجلى في الرسالة الأبوية الملهمة التي وجهها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، إلى الجيل الجديد، وهي رسالة تنطلق من تجربة قائد عاش مسيرة البناء، وأسهم في صناعة نهضة استثنائية، ثم يتطلع بثقة كبيرة إلى الأبناء والأحفاد ليواصلوا المسيرة ويكتبوا صفحات جديدة من التميز والريادة.

لقد جاءت كلمات سموه ممتدة من مدرسة إماراتية أصيلة ترى في الإنسان أثمن ما تملك الأوطان، وفي الأجيال الجديدة رصيدها المتجدد، وفي تمكينها استثماراً في قوة الدولة واستدامة نهضتها، ولذلك فإن هذه الرسالة تحمل رؤية متكاملة لصناعة المستقبل؛ رؤية تقوم على أن كل جيل مؤتمن على زمنه، مسؤول عن فرصه، مطالب بأن يفهم واقعه، ويحسن استخدام أدواته، ويضيف إلى ما تسلمه من منجزات قيمة جديدة وأثراً جديداً.

ومن المعاني المشرقة في رسالة سموه ثقته الكبيرة بالجيل الجديد، وإيمانه بما يحمله أبناؤه من طاقات وقدرات تؤهلهم لمواصلة مسيرة البناء والعطاء، وهذه الثقة القيادية أمانة عظيمة في أعناق الشباب، تستوجب منهم أن يقابلوها بالجد والاجتهاد، والعلم والعمل، والإخلاص والوفاء، وأن يجعلوا ما يمتلكونه من معرفة ومهارات وسيلة لرفعة أوطانهم وخدمة مجتمعاتهم.

وفي قلب هذه الرسالة يبرز معنى أصيل شديد الأهمية، وهو أن التقدم الحقيقي يحتاج إلى قيم تحرسه، وأن اتساع المعرفة يحتاج إلى ضمير يوجهه، وأن امتلاك الأدوات الحديثة يزيد من حاجة الإنسان إلى الصدق والأمانة والوفاء والعدل والرحمة والتواضع واحترام الآخرين، وهذه القيم لا تفقد بريقها مع تغير العصور، فهي التي تحفظ الإنسان من الغرور حين ينجح، ومن الانحراف حين يقوى، ومن الأنانية حين تتسع قدرته على التأثير، وهي التي تجعل العلم نافعاً، والعمل شريفاً، والطموح راقياً، والإنجاز ممتداً أثره إلى المجتمع كله.

وتتصل بهذه القيم قيمة الهوية الوطنية التي تشكل للإنسان جذوره الراسخة وهو ينفتح على العالم، فالجيل الذي يتعلم من مختلف الثقافات، ويتعامل مع أحدث العلوم، ويعمل في فضاءات دولية واسعة، يحتاج إلى وعي عميق بذاته ووطنه وتاريخه وقيم مجتمعه، حتى يبقى انفتاحه مصدر قوة وثراء، وتبقى شخصيته ثابتة متزنة، وهنا تبرز قيمة الانتماء والولاء والاعتزاز بالإمارات وقيادتها ومكتسباتها، ليعرف الشاب أن نجاحه الشخصي يرتبط بصورة وطنه، وأن تميزه العلمي والمهني يحمل اسمه واسم بلاده معاً، وأن المحافظة على السمعة الوطنية الرفيعة مسؤولية تظهر في السلوك والكلمة والعمل والإخلاص واحترام القوانين والمؤسسات.

وتزداد أهمية هذه المعاني في الفضاء الرقمي الذي أصبح جزءاً من حياة الجيل الجديد، حيث تصل الكلمة في لحظات، وتتداخل الثقافات والأفكار، وتتضاعف القدرة على التأثير، ومن هنا يصبح الوعي قيمة وطنية وأخلاقية، ويغدو التثبت من المعلومات، وحسن اختيار المصادر، والمسؤولية في النشر والتفاعل، صوراً عملية من صور المواطنة الصالحة، فالشاب الواعي يحسن الانتفاع بالعالم المفتوح، ويأخذ منه العلم والخبرة، ويحفظ عقله من التضليل، وقيمه من الذوبان، ووطنه من كل ما يمس وحدته وسمعته ومكتسباته.

كما تحمل رسالة سموه معنى الوفاء للأجيال التي سبقت، فقد بذل الآباء والأجداد من الجهد والعزم ما صنع الأساس المتين الذي تقف عليه الأجيال اليوم، ومن الوفاء لهذا الإرث أن يتحول الامتنان إلى عمل، يحمل الأبناء الراية بعزم أكبر مستفيدين من وفرة العلم واتساع الفرص، وهذا هو الوفاء الإيجابي الذي تتقدم به الأوطان؛ وفاء يصون المنجزات، ويطورها، ويضيف إليها، ويجعل من كل نجاح سابق دافعاً إلى نجاح جديد، حتى تبقى مسيرة الوطن متصلة الحلقات، تتعاقب فيها الأجيال على خدمة الإمارات ورفعتها ومنعتها وازدهارها.

إن رسالة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد إلى الجيل الجديد رسالة ثقة ومسؤولية وقيم، تضع أبناءنا أمام أمانة عظيمة لصناعة المستقبل بالعلم والعمل والأخلاق، والاعتزاز بالهوية، والوفاء للوطن وقيادته، وبمثل هذه الأجيال الواعية المخلصة تواصل دولة الإمارات مسيرتها المباركة، وتصون مكتسباتها، وتفتح آفاقاً جديدة للريادة والتميز، ليبقى طموح أبنائها بحجم وطنهم، وعطاؤهم امتداداً لمسيرة مجد تتجدد جيلاً بعد جيل.