لماذا يعلو صوت القبح؟!

أعادتني واقعة طائرة «فلاي دبي»، المتجهة من دبي إلى تل أبيب، وما نشر عن محاولة اختطافها وإسقاطها، إلى سؤال يشغلني: لماذا يبدو صوت القبح والتطرف أعلى من صوت الاعتدال والوسطية؟..

هبطت الطائرة بسلام في تبوك، وبقيت تفاصيل الاعتداء ودوافعه موضع تحقيق.. لذلك لا أستبق نتائج التحقيق، لكن الواقعة تفتح نقاشاً ضرورياً حول حرمة حياة الناس، وقدرتنا على الدفاع عنها دون انتقاء.

أرى أن الامتحان الأخلاقي يبدأ من سؤال: هل تتغير قيمة الإنسان بتغير جنسيته؟، من يرفض قتل المدنيين الفلسطينيين، لا يستطيع تبرير تعريض ركاب طائرة للموت، لأن بينهم إسرائيليين، القضية الفلسطينية قضية عادلة، وإقحامها في تبرير اعتداء على مدنيين يسيء إليها، ومن يخلط بين حكومة وركاب رحلة مدنية، يعفي نفسه من التفكير، ويمنح الغضب سلطة إصدار الأحكام.

قبل عام كانت قطاعات من الرأي العام البريطاني تتعاطف مع الفلسطينيين، بسبب ما جرى في غزة، ثم وقع الاعتداء الإرهابي على كنيس في مانشستر في أكتوبر 2025، وسقط خلاله قتيلان، لا أقول إن البريطانيين انقلبوا جميعاً ضد العرب، لكن مثل هذه الجريمة تمنح خصوم القضية فرصة لخلط التضامن مع فلسطين بالكراهية والإرهاب، وتدفع النقاش نحو أجندة أخرى.

قتل يهودي في بريطانيا لا يعيد الحياة إلى فلسطيني قتل في غزة، بل يضيف ضحية على الضحايا، ويعرض قضية عادلة لخسارة تعاطف تحتاج إليه، هذا التطرف الأعمى يتيح لمن يريد تجاهل معاناة الفلسطينيين، أن يصرف الأنظار عنها.. وأعتقد أن من ينصر فلسطين مطالب بإدانته دون تردد، فحرمة الدم لا تتجزأ، واليهود ليسوا مسؤولين جماعياً عن أفعال الحكومة الإسرائيلية.

ولعل المشكلة أن خطاب التطرف يختصر العالم بطريقة تغري المتعبين، فيحدد عدواً، ويحمله كل أسباب الشقاء، ثم يحاول الخلاص منه.. لا يسأل عن النتائج، ولا عن الأشخاص الأبرياء الذين سيدفعون الثمن.. أما الاعتدال فيطلب من صاحبه جهداً أصعب:

أن يميز، وأن يتحقق، وأن يحافظ على مبادئه عندما يكون غاضباً.. لذلك تبدو جملة التحريض أسرع وصولاً من حجة تحتاج إلى شرح وإقناع.

ارتفاع الصوت لا يعني كثرة الأنصار، في الديوانية، الملتقى الاجتماعي، قد يفسد شخص واحد متعصب نقاشاً كاملاً، فيما يصمت الباقون تجنباً للمشاجرة، يخرج المسيء مقتنعاً بأن الجميع وافقوه، ويخرج الآخرون متذمرين منه، تتكرر الصورة في الفضاء العام، فتبدو الأقلية الصاخبة، وكأنها المجتمع كله، نحن نخطئ عندما نحسب السكوت حياداً دائماً، فقد يصبح في أثره العملي، تشجيعاً لمن تجاوز حدود الأدب والإنسانية.

ولا أعفي بعض المحسوبين على الاعتدال من المسؤولية، من يحرص على إرضاء الجميع، ويختبئ خلف عبارات عامة كلما استدعى الأمر موقفاً، لا يساعد الناس على التمييز بين الحق والباطل، الوسطية لا تعني توزيع اللوم بالتساوي بين المعتدي وضحيته، وتعني في فهمي القدرة على إدانة الاعتداء، أياً كان فاعله، والتمسك بحق المختلف في الحياة والأمان، دون اشتراط موافقته لنا في السياسة أو الدين أو المذهب.

في واقعة الطائرة، يستحق إنقاذ الأرواح والهبوط الآمن اهتمامنا، كما يستحق التحقيق انتظارنا، والخدمات التي قدمت للركاب في تبوك، تذكر بأهمية المسؤولية الإنسانية التي قدمتها السلطات السعودية في لحظة الخطر. هنا عمل ينبغي تقديره: حماية أشخاص معرضين للأذى، وتقديم الرعاية لهم.

نحتاج إلى تعليم يمنح أبناءنا القدرة على الاختلاف دون كراهية، وإعلام يكافئ المعرفة أكثر مما يكافئ المشاجرة. ونحتاج أيضاً إلى فرد يقول في مجلسه إن هذه العبارة ظالمة، وإن هذه الشماتة معيبة.. قد تبدو مواقف صغيرة، لكنها تكسر وهم الإجماع الذي يستقوي به المتطرف.

وأعتقد أن الاعتدال يخسر كثيراً عندما يكتفي أصحابه بأن يكونوا محترمين في صمت، فالمجتمع الذي يحمي كرامة المختلف يحمي أبناءه، ويمنع أن تتحول الخصومات السياسية إلى رخصة مفتوحة لإيذاء البشر وتعريضهم للخطر. للإنسانية صوت، فلا تتركوه وحيداً.