تكتسب رسالة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، إلى أبناء الخليج أهمية تتجاوز بعدها الوجداني، لأنها تطرح في جوهرها قضية تتصل بمستقبل المنطقة:
كيف تحافظ دول الخليج على ما يجمعها، في زمن تتسع فيه ساحات الاستقطاب، وتتضاعف فيه قدرة الإعلام ومنصات التواصل على تضخيم الخلافات وصناعة المسافات؟
الإجابة التي تقدمها الرسالة واضحة؛ فالعلاقات الخليجية لا تستند إلى مصالح عابرة أو تفاهمات سياسية مؤقتة، بل إلى تاريخ وجغرافيا وقرابة ومصير مشترك، وإلى تجربة تنموية نقلت المنطقة خلال عقود قليلة إلى موقع متقدم في الاقتصاد والاستثمار والطاقة والتكنولوجيا.
هذا الرصيد هو ما يمنح التقارب الخليجي قيمته الاستراتيجية. ففي عالم يتجه إلى تكتلات أكثر ترابطاً، تصبح قدرة الدول على تنسيق مصالحها وتعظيم مواردها المشتركة عنصراً أساسياً في حماية مكتسباتها وزيادة تأثيرها.
ومن هنا، فإن دعوة سموه إلى ألا تفرق ساحات الإعلام ما جمعته الجغرافيا والتاريخ، هي تأكيد على أن الاختلاف، مهما كان، يجب ألا يتحول إلى خصومة، وألا تصبح منصات الإعلام والتواصل مساحة لتضخيم التباينات على حساب المصالح والمصير المشترك. ومن هنا، فإن تأكيد سموه أن «الوحدة ليست في فتح الحدود، بل في اجتماع القلوب».
ولا يعني التقارب إلغاء خصوصية التجارب الخليجية أو صهرها في نموذج واحد. فالقوة الحقيقية تكمن في تعدد التجارب حين يتحول إلى تكامل، وفي الاختلاف حين تتم إدارته ضمن رؤية أوسع للمصلحة المشتركة.
لقد بنت دول الخليج خلال نصف قرن نماذج تنموية لافتة، ورسخت حضوراً اقتصادياً وسياسياً يتجاوز حدود المنطقة. واليوم، تفتح هذه النجاحات أمامها مساحة أوسع للتنسيق في الاقتصاد والاستثمار والتكنولوجيا والطاقة، وتعزيز قدرتها الجماعية على التعامل مع عالم أكثر تنافساً واضطراباً.
وفي عالم يعاد فيه توزيع القوة والنفوذ، لا تكفي قوة كل دولة منفردة مهما بلغت؛ فالقيمة الأكبر تنشأ حين تتحول عناصر القوة الوطنية إلى قوة مشتركة. والخليج يملك كل المقومات التي تجعل تقاربه ليس مجرد خيار، بل استثماراً استراتيجياً في المستقبل. فقوة الخليج الحقيقية: أن تتعدد تجاربه، وتبقى غاياته الكبرى واحدة.
