فاتورة أوروبا المؤجلة

ما يقع بين باريس ومدريد وميلانو هو لحظة انكشاف لعقد اجتماعي أوروبي استنزفته ثلاث قوى في وقت واحد: دولة مثقلة بالدين، وطبقة وسطى تدفع كلفة السكن والطاقة والخدمات، وجيل شاب يرى أن الدراسة والعمل لم يعودا يضمنان بداية مستقرة للحياة. خلف هذا المشهد سؤال جوهري: كيف تستطيع أوروبا الحفاظ على وعودها الاجتماعية فيما تتزايد كلفة الوفاء بها وتتراجع قدرة اقتصاداتها على تمويلها؟.. تأجل هذا السؤال طويلاً خلف تسويات سياسية وحلول مؤقتة، حتى جاءت الأزمات المتلاحقة لتدفع الفاتورة إلى الواجهة.

تعود جذور هذا العقد إلى مرحلة إعادة بناء أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية، ففي أكتوبر 1945 أسست فرنسا نظام الضمان الاجتماعي، وخلال الخمسينيات والستينيات وسعت المعجزة الاقتصادية الإيطالية قاعدة الصناعة والوظائف والطبقة الوسطى، ثم لحقت إسبانيا بهذا المسار بعد انتقالها إلى الديمقراطية وانضمامها إلى المجموعة الأوروبية عام 1986. وعلى امتداد عقود ارتبط الازدهار الاقتصادي بتوسع الخدمات والتعليم والرعاية الصحية والتقاعد، وترسخت قناعة لدى الأجيال بأن أبناءها سيعيشون حياة أفضل من آبائهم.

بدأت هذه المعادلة تواجه ضغوطاً متراكمة منذ صدمة النفط عام 1973، ثم الأزمة المالية العالمية عام 2008 وأزمة الديون السيادية الأوروبية التي أعقبتها، وفي 2011 ملأ الغاضبون ساحات مدريد احتجاجاً على البطالة والتقشف وانسداد الفرص، وبعد سبع سنوات خرج أصحاب السترات الصفراء في فرنسا، احتجاجاً على أسعار الوقود وتراجع القدرة الشرائية.

فرنسا تقدم اليوم الوجه السياسي الأكثر حدة لهذا التراكم، فالاحتجاجات التي شهدتها البلاد نهاية الأسبوع كشفت كيف تتحول أزمة المدرسة إلى أزمة ثقة في الدولة، فنقص المعلمين وتراجع المرافق التعليمية يمسان أحد أبرز وعود الجمهورية الفرنسية: أن يكون التعليم العام طريقاً للصعود الاجتماعي وتكافؤ الفرص، يحدث ذلك بينما تحاول باريس خفض عجزها والسيطرة على دينها المتصاعد، في ظل ارتفاع كلفة الاقتراض وتباطؤ النمو، وتتعمق المعضلة بين مطالب المواطنين بالحفاظ على مستوى الخدمات، وحاجة الحكومة إلى إصلاح ماليتها العامة، فتصبح الموازنة معركة سياسية حول معنى الدولة وموقعها في حياة المواطن.

السكن يقدم الوجه الآخر للأزمة، ففي إسبانيا تحولت قضية ماري كارمن أباسكال، البالغة من العمر سبعة وثمانين عاماً، إلى رمز لغضب اجتماعي واسع، بعدما أُخرجت من منزل عاشت فيه أكثر من سبعين سنة إثر نزاع على الإيجار مع مالك عقاري جديد، ثم توفيت لاحقاً في المستشفى.. قصتها تختصر مفارقة بلد يواصل اقتصاده النمو، فيما تجعل أزمة السكن الاستقلال أكثر صعوبة أمام شبابه، وتطيل سنوات بقائهم في منازل أسرهم، حتى بات متوسط سن مغادرتها يقارب الثلاثين عاماً.

ميلانو وبولونيا أضافتا إلى المشهد سؤال العمل، إذ تكشف الاحتجاجات على الأجور وكلفة المعيشة مأزقاً يواجه الاقتصاد الإيطالي رغم قاعدته الصناعية الكبيرة، فالأجور الحقيقية ما زالت أدنى من مستوياتها قبل موجة التضخم الأخيرة، وتتداخل هذه الضغوط مع شيخوخة السكان وتفاوت الفرص بين الشمال والجنوب وضعف النمو الإنتاجي، فتتراجع قدرة العمل على تأمين مستوى الحياة الذي اعتادت عليه الطبقة الوسطى.

ثم جاءت الفاتورة الجيوسياسية، جائحة كورونا استنزفت الموازنات، والحرب في أوكرانيا رفعت الإنفاق الدفاعي، واضطراب الطاقة أعاد تعريف أمن الإمدادات، وتنافس القوى الكبرى دفع أوروبا إلى تمويل صناعاتها الاستراتيجية.. نموذج الرفاه الذي بني على طاقة مستقرة وتجارة مفتوحة وبيئة أمنية مريحة يعمل اليوم في عالم أعلى كلفة وأشد تنافساً، والحكومات حملت هذه الكلفة إلى الموازنة قبل أن تصوغ عقداً سياسياً يشرح للناس كيف توزع الأعباء والفرص.

ومع اقتراب الانتخابات الإسبانية، ثم الرئاسية الفرنسية والاستحقاق الإيطالي في 2027، تتحول هذه التوترات إلى اختبار سياسي يتجاوز البرامج الاقتصادية، ويمتد إلى الهجرة والهوية والسيادة ومستقبل الاتحاد الأوروبي نفسه، القوى السياسية تتنافس على تفسير الغضب الاجتماعي وتقديم إجابات عنه، فيما تبقى استعادة الثقة مرتبطة بقدرة الحكومات على تحويل النمو إلى فرص ملموسة في حياة المواطنين.

فاتورة أوروبا المؤجلة وصلت إلى لحظة السداد، المؤشرات المالية تستطيع إخفاء التصدع زمناً، أما المدرسة التي تفقد معلمها، والموظف الذي يعجز عن استئجار مسكن، والطالب الذي يدخل سوقاً مسدودة، فكلها مؤشرات سياسية أسرع من الأسواق، ما يعني أن أوروبا أمام فرصة لإعادة بناء عقدها الاجتماعي على إنتاجية وسكن وخدمات وفرص عادلة، أو أمام سنوات يتحول فيها الغضب المعيشي إلى قوة تعيد رسم خريطتها السياسية من الشارع إلى صناديق الاقتراع.