يروى أنه في فترة الاحتلال البريطاني للهند، زادت أعداد أفاعي الكوبرا، فقررت الحكومة دفع مكافأة مالية، مقابل كل جلد كوبرا يُسلَّم للسلطات. يُقال إن النتيجة كانت صادمة، حيث قام بعض السكان المحليين بتربية الأفاعي بغرض تسليمها للمسؤولين أملاً في الحصول على مقابل مادي!
ولما علم الناس أن الحكومة ألغت المكافأة وصارت تطاردهم، أطلقوا أفاعيهم في الشوارع والطرقات، فارتفعت أعداد الكوبرا بدلاً من انخفاضها. وعُرفت هذه الظاهرة التاريخية والاقتصادية لاحقاً باسم «تأثير الكوبرا» وهي صورة من صور ما يسمى «بقانون غودهارت»، إذ تؤدي الحوافز التي تصمم بشكل غير مدروس إلى نتائج غير مقصودة، أو مغايرة للهدف المنشود.
وفي واحدة من أشهر الفضائح المصرفية الأمريكية، اكتشفت الجهات الرقابية أن موظفي بنك «ويلز فارغو» قد فتحوا أكثر من مليوني حساب مصرفي وبطاقة ائتمانية، يتوقع أن أعداداً كبيرة منها فتحت من دون موافقة أصحابها. المشكلة أن الموظفين كانوا تحت وطأة تحقيق «المؤشر» المطلوب وهو زيادة المبيعات، لكن العاملين يبدو أنهم انشغلوا بالمؤشر بأي ثمن أملاً في الحصول على مكافآتهم. فنسوا الغاية الأساسية من فتح الحساب، وما وراءه من عوائد يجنيها المصرف من العملاء الجدد وليس الوهميين أو الخاملة حساباتهم.
ولذلك فرضت السلطات الأمريكية غرامات مالية بلغت 185 مليون دولار على البنك بسبب تلك الممارسات. فتحول هدف مشروع، وهو زيادة عدد الحسابات، إلى أحد دوافع سلوك أضر بالعملاء وبسمعة المؤسسة بأسرها. بعبارة أخرى، حققوا المؤشرات، لكنهم لم يحققوا الغاية المرجوة.
واللافت أن الموظف قد يبدو ناجحاً في نظر الإدارة ما دامت الأرقام ترتفع، بينما لا تظهر الخسائر الحقيقية إلا بعد فوات الأوان. وهنا تكمن خطورة الاكتفاء بالتقارير الدورية دون النظر إلى ما يحدث خلفها.
هذه المفارقات تذكرنا بالفكرة التي طرحها الاقتصادي البريطاني «تشارلز غودهارت»، وتتلخص في أن المقياس الذي نستخدمه لمراقبة الأداء قد يفقد قدرته على التعبير عن الواقع عندما نحوله إلى هدف نضغط من خلاله على الناس لتحقيقه. «قانون غودهارت» نشاهده في الجامعات أيضاً حينما يقرر المحاضر رفع متوسط الدرجات (الكيرف) لهدف نبيل. غير أن المحاضر أو الأستاذ الذي يخشى أن يتدهور أداء طلبته إلى ما تحت المعدل المقبول، تجده ينشغل عن حسن التدريس والعرض، بتدريب الطلبة على أسئلة الامتحان نفسها بدلاً من تنمية قدراتهم على التفكير والتحليل. لا شك أن الدرجات سوف ترتفع (كمؤشر)، لكن الغاية النهائية وهي ارتفاع مستوى التعليم قد لا تتحقق.
ولذلك قد يكون السؤال عن كيفية تحقيق النتيجة أهم من النتيجة نفسها، خصوصاً حين ترتبط المؤشرات بمكافآت أو ترقيات أو تقييمات سنوية.
ونجد في المستشفيات، كذلك، محاولات من الإدارة لتقليص مدة انتظار المرضى. لا شك أن تقليل الانتظار هدف محمود، غير أن اختزال جودة الخدمة الطبية في سرعة إنجازها قد يدفع الطاقم الطبي إلى الاهتمام بالوقت أكثر من اهتمامه بما يحتاجه المريض، ذلك أن السرعة ليست مرادفاً للجودة بالضرورة. والأمر نفسه يحدث في مراكز الاتصال فقد رأيت خلف الكواليس شاشة ترصد مدة كل مكالمة ويُحاسَب عليها مأمور البدالة إذا أطال المكالمة أكثر من المعدل المتعارف عليه، ثم نكتشف أن العملاء صاروا يعاودون الاتصال لأن مشكلتهم لم تحل، أو أنهم لم يتمكنوا من الاستفسار عن باقي الأمور بسبب عجلة موظف البدالة.
ومن الحكمة أن تراجع المؤسسات مؤشرات أدائها باستمرار، وأن تنصت إلى ملاحظات العاملين والمتعاملين معها، فقد تكشف التجربة اليومية ما تعجز عنه الجداول والأرقام.
أرى أن المشكلة ليست فيما نقيسه، ولا في تحديد الأهداف، بل في الخلط بين المؤشر والغاية. والمؤشرات هي أرقام نسعى إلى تحقيقها، لكنها في الواقع جزء من الصورة وليست هي الهدف النهائي أو الغاية الأكبر. فالمؤشر أشبه بعداد السرعة في السيارة، يخبرنا عن جانب من الرحلة، لكنه لا يخبرنا إن كنا نسير في الاتجاه الصحيح، أو إن كنا سنصل سالمين إلى وجهتنا.
