«عملة المستقبل».. من الرهان إلى العهد

«الرسائل» من التجربة إلى الأثر.. سلسلة قراءات أسبوعية في الأفكار والدلالات - 4

  في «الرسائل»، يضع صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم خلاصة ستة عقود من التجربة والعمل العام، في كلمات موجهة إلى رموز وشخصيات وطنية وأجيال مختلفة..

لكل رسالة من الرسائل الـ ٢٦ مخاطبها، ولكل قراءة زاويتها التي تمتد أبعد من صفحات الكتاب.في هذه السلسلة «الرسائل من التجربة إلى الأثر»، التي تنشر بشكل دوري كل خميس، نقرأ الرسائل من الداخل، ونقترب من الأفكار التي حملتها التجربة، وما تكشفه من معانٍ في حاضرنا، وما ترسم لمستقبلنا.  

اعتادت الأجيال أن تقيس الثروة بما يمكن ادخاره من أرض وذهب ومال، واتخذت الدول من مواردها وأصولها مقياساً لقوتها.

ومع تطوّر الاقتصاد والتكنولوجيا، اتسع مفهوم الثروة ليشمل المعرفة والبيانات والأفكار التي تتحول إلى صناعات وفرص، لكن أكثر ما استوقفني في الرسالة السادسة عشرة من كتاب «الرسائل»، التي حملت عنوان «رسالة حول عملة المستقبل»، أن الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم اختار رصيداً من طبيعة مختلفة، رصيداً تستمد الدولة قيمته من تجارب الناس معها، ومن اطمئنانهم إلى ما تعد به وما تنجزه: الثقة.

في مجلس جمعه بأصدقاء ومسؤولين، بدأ النقاش بسؤال عن عملة المستقبل، توزعت الإجابات بين الماء والذكاء الاصطناعي والطاقة، وكل منها يعكس تصوراً لما سيزداد احتياج العالم إليه، أما اختيار الشيخ محمد، فوسّع معنى الرهان على المستقبل، من البحث عن الموارد التي ستزداد قيمتها إلى بناء العلاقة التي تجعل الناس مستعدين للاستقرار والعمل والاستثمار في بلد ما.

تكمن خصوصية الثقة في أن الدولة تهيئ أسبابها، فيما يحدد الناس قيمتها باختياراتهم، فالمستثمر الذي يبدأ مشروعاً طويل الأمد، وصاحب الخبرة الذي ينتقل للعمل، والأسرة التي تختار مكاناً يكبر فيه أبناؤها، يضع كل منهم جزءاً من مستقبله في عهدة بلد، قد تبدو هذه قرارات شخصية متفرقة، لكنها حين تتكرر تتحول إلى حركة اقتصادية واجتماعية واسعة، تقوم على توقع بسيط وعميق في آن: أن يكون الغد على قدر الثقة التي يمنحها الناس اليوم.

«علمتني الحياة أن الاستقرار الاقتصادي يبدأ عادة في عقل الإنسان»، اعتدنا أن ننظر إلى الثقة بوصفها ثمرة للازدهار الاقتصادي، لكن الشيخ محمد يعكس هذه العلاقة، ويرى أنها المقدمة التي تصنع الرخاء والنمو والاستقرار.

فقد تتوافر الفرص وتبدو العوائد واعدة، ويظل الناس مترددين ما لم يطمئنوا إلى القوانين والمؤسسات، وهذا الاطمئنان حصيلة سنوات من العمل واحترام الإنسان واستقرار القوانين وشرعية الإنجاز.

خلال المواجهات الأخيرة بين الولايات المتحدة وإيران، أرسلت إحدى الدول الكبرى طائرات لإجلاء مواطنيها المقيمين في الإمارات، لكنهم رفضوا العودة، وهو ما أثار انتقاد مسؤول في بلدهم. وينقل الشيخ محمد نتيجة عملية الإجلاء في أربع كلمات:

«لكن الطائرات رجعت خالية»، كان تقدير الجهة التي أرسلت الطائرات أن المغادرة هي الخيار الأكثر احتياطاً، بينما اختار المقيمون الاستمرار في حياتهم هنا، وفي روايته، تجسد هذه الواقعة ثمرة ثقة نشأت عبر عقود، وأصبحت ذات وزن حين تعلق القرار بسلامة الناس وأسرهم.

وكلما اتسع ما يبنيه الناس على ثقتهم، ارتفعت كلفة فقدانها، ويسميها الشيخ محمد «عملة نادرة هذه الأيام»، وندرتها في أن اكتسابها يحتاج إلى زمن طويل، بينما قد تترك تجربة واحدة مخيبة للآمال شكاً يصعب محوه، تستطيع المؤسسة مراجعة قرار أو تصحيح خطأ، لكن استعادة المصداقية تحتاج إلى ما هو أكثر من التصحيح، إلى مواقف متكررة تعيد للناس يقينهم بها.

قبل نحو 2500 عام، وضع كونفوشيوس، في مقولة ينسبها إليه الكتاب، ثقة الناس في منزلة تتقدم على مقومات الحكم الأخرى، فالحاكم يحتاج إلى ثلاثة أشياء:

الغذاء والسلاح وثقة الناس، وإذا اضطر إلى التخلي عن أحدها، تخلى أولاً عن السلاح، ثم عن الغذاء، أما الثقة فهي آخر ما يمكن التفريط فيه، لأن الدولة تفقد أساس بقائها من دونها، ومن اللافت أن تستحضر رسالة عن المستقبل حكمة بهذا القدم، فالعالم تغيرت أدواته ومصادر قوته، وبقيت ثقة الناس أساساً تستند إليه الدول في استقرارها واستمرارها.

«الثقة هي عهد بيننا وبين الناس، ونحن قوم لا نخون عهودنا»، والعهد يمنح هذه العملة معنى يتجاوز قيمتها الاقتصادية، فالرصيد تستفيد منه الدولة، أما العهد فيرتب عليها مسؤولية تجاه من منحوها ثقتهم، وقد تنجح دولة في اكتساب ثقة الناس بما تحققه من إنجازات، لكن الحفاظ عليها يتطلب اتساقاً بين ما تعلنه وما تمارسه، حتى حين تتغير الأولويات وتصبح القرارات أكثر صعوبة، ودبي (أو الإمارات)..

وعدت فأنجزت، وأوفت فاستحقت الثقة، وحين جاءت لحظة الاختبار، اختار الناس البقاء، ولعلها أبلغ شهادة على قيمة عملة تصنعها الأفعال، ويحفظها الوفاء بالعهود.