حرمة الاعتداء على النفس البشرية

إن النفس البشرية من أعظم ما أكدت الشريعة الإسلامية صيانتها، وأحاطتها بسياج متين من الأحكام والتشريعات التي تكفل حمايتها، وحرمت الاعتداء عليها، ولقد قرر القرآن الكريم هذا الأصل الجليل في آيات محكمات، قال الله تعالى: {ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق}، وقال سبحانه:

{من قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً}. وفي هذا البيان الرباني تعظيم بالغ لحق الحياة، وتحذير شديد من الاستهانة بالدماء، حتى جعل القرآن الكريم الاعتداء على النفس الواحدة كأنه اعتداء على الناس جميعاً، ليترسخ في القلوب أن حماية الأرواح من أعظم الواجبات والمقاصد التي لا يجوز التفريط فيها.

وقد شدد الإسلام على تحريم الاعتداء على نفوس غير المسلمين، فقال النبي، صلى الله عليه وسلم: «من قتل معاهداً لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها توجد من مسيرة أربعين عاماً»، رواه البخاري، وهو وعيد شديد يبين خطورة وفداحة وشناعة التعدي على النفوس البشرية، مهما اختلفت أديانها ومعتقداتها، وقد أرشد القرآن الكريم إلى البر والعدل مع المسالمين، فقال تعالى:

{لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين}، فالأصل في التعامل مع الناس العدل والوفاء وحفظ الحقوق وصيانة الكرامة وحرمة الاعتداء.

وتتأكد هذه المعاني عند الحديث عن حرمة الاعتداء على المساجد وسائر دور العبادة، فقد نهى النبي، صلى الله عليه وسلم، عن الاعتداء على أصحاب الصوامع والرهبان، وبقيت الكنائس محفوظة لا تمس في عهد الصحابة، رضي الله عنهم، واستمرت صيانتها طيلة العصور، وكتب عمر بن عبدالعزيز إلى عماله أن «لا تهدموا كنيسة ولا بيعة ولا بيت نار»، ومن ثمّ فإن الاعتداء على الآمنين في معابدهم، واستباحة دمائهم، جريمة نكراء فادحة، فيها انتهاك لحرمة النفس، واعتداء على دور العبادة، وإخلال بالعهود، واستخفاف بالقيم التي جاءت الشريعة لترسيخها.

ومن هنا ندرك جسامة حادثة إطلاق النار الإرهابية التي وقعت داخل كنيسة حمود في محافظة الكرك بالمملكة الأردنية الهاشمية الشقيقة، وأسفرت عن مقتل وإصابة عدد من الأشخاص.

فقد جمعت هذه الجريمة بين الاعتداء على أرواح بريئة وانتهاك حرمة دار عبادة، وخلفت ألماً عميقاً لدى أسر الضحايا والمصابين والمجتمع الأردني الشقيق، وإن مثل هذه الجرائم تكشف خطورة الانحراف الفكري حين يتجرأ أصحابه على تجاوز حدود الله، ويتخذون من التعصب والكراهية طريقاً لتبرير العدوان.

وربما حاول بعضهم أن يكسو جرائمه بشعارات دينية زائفة، ومن أعظم واجبات العلماء وأهل الاختصاص كشف أي تلبيس، وبيان فساد التأويلات التي تستحل ما حرم الله، وتزرع الأحقاد بين أبناء المجتمعات.

ولقد جاء موقف دولة الإمارات العربية المتحدة من هذه الحادثة معبراً عن هذه المبادئ الشرعية والإنسانية الراسخة، حيث أدانت وزارة الخارجية بشدة الاعتداء الإرهابي الذي وقع داخل الكنيسة في الأردن، وأكدت رفض الدولة الدائم لجميع أشكال العنف والتطرف والإرهاب التي تستهدف زعزعة الأمن والاستقرار، وأعربت عن خالص التعازي والمواساة لأهالي الضحايا وللمملكة الأردنية الهاشمية وشعبها الشقيق، وتمنياتها بالشفاء العاجل للمصابين.

كما أكد سمو الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان، نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية، تضامن الإمارات الكامل مع الأردن ودعم الإجراءات التي يتخذها لحماية أمنه وسلامة من يعيشون على أرضه.

وهذا الموقف امتداد لنهج أصيل أرسته قيادتنا الحكيمة، يقوم على احترام الإنسان، وتعزيز قيم الاعتدال والتسامح والتعايش، وحماية المجتمع من الكراهية والتطرف، وقد تجسد ذلك في تشريعات تصون دور العبادة، وفي واقع اجتماعي يلتقي فيه أناس من ديانات وثقافات متعددة على أرض الإمارات، يعيشون في أمن وطمأنينة.

إن حرمة الدماء وصيانة دور العبادة من المبادئ الراسخة التي لا تقبل المساومة أو التبرير، وإن أي اعتداء على الأبرياء تحت أي شعار كان إنما هو اعتداء على الإنسانية جمعاء، وانتهاك لمقاصد الدين وقيمه العظيمة، ومن هنا تتأكد المسؤولية المشتركة في تعزيز قيم الرحمة والعدل والتعايش، فبصيانة النفوس تُحفظ الأوطان، وباحترام دور العبادة تستقر المجتمعات، وبالفهم الصحيح للدين تُسد أبواب الفتنة والكراهية، ويترسخ الأمن والسلام.