في «الرسائل»، يضع صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم خلاصة ستة عقود من التجربة والعمل العام، في كلمات موجهة إلى رموز وشخصيات وطنية وأجيال مختلفة.. لكل رسالة من الرسائل الـ ٢٦ مخاطبها، ولكل قراءة زاويتها التي تمتد أبعد من صفحات الكتاب.
في هذه السلسلة «الرسائل من التجربة إلى الأثر»، التي تنشر بشكل دوري كل خميس، نقرأ الرسائل من الداخل، ونقترب من الأفكار التي حملتها التجربة، وما تكشفه من معانٍ في حاضرنا، وما ترسم لمستقبلنا.
تبدأ الحضارة عندما تتعلم الأجيال، وتتقدم حين يصبح التعلم عادة مستمرة، ويكبر أثرها عندما تتحول المعرفة إلى قدرة على الإبداع والإضافة، وتحتل هذه العلاقة بين التعلم وتقدم الأمم مكانة واضحة في فلسفة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، رعاه الله، كما تكشفها صفحات كتابه «الرسائل».
فمن اللافت أن التعلم والتعليم يحضران على امتداد رسائل تتنوع موضوعاتها ومخاطبوها، نجدهما في حديثه إلى فريق العمل عن تاريخ الأمم، وفي وصاياه للجيل الجديد، وفي رسالته إلى المعلمين، وفي رؤيته لمستقبل القيادة، وفي كل مرة يكتسب التعلم معنى يتجاوز اكتساب المعرفة، ليرتبط بتطور الإنسان وتجدد المؤسسات وقدرة الأمم على صناعة مستقبلها.
يستعيد صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد في إحدى رسائله إلى فريق العمل حكاية المطبعة التي ظهرت في أوروبا في القرن الخامس عشر، ومر ما يقارب ثلاثة قرون قبل أن تمنح السلطات العثمانية عام 1726 ترخيصاً لإنشاء مطبعة تستخدم الحروف العربية في إسطنبول.
وخلال تلك القرون، انتشرت الكتب في أوروبا، وتسارعت حركة التأليف والبحث وتبادل العلوم والأفكار، في حين ظل نسخ الكتب يدوياً وسيلة أساسية لنقل المعرفة في مناطق واسعة من العالم الإسلامي.
هذا التأخر كان أحد العوامل التي أسهمت في إبطاء انتشار المعرفة واتساع الفجوة مع مجتمعات أخرى كانت تراكم العلوم وتوسع آفاق البحث والتعلم.
يكتب صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد: «سرعة التعلم هي الفرق بين الذين يقودون الحضارة والذين يقادون، بين الذين يصنعون والذين يستهلكون»، فالمجتمعات التي تسارع إلى استيعاب المعرفة الجديدة وتطويرها وتحويلها إلى إنجازات تعزز قدرتها على التقدم، وقد تتحول سنوات التأخر في التعلم إلى فجوات حضارية يحتاج تجاوزها إلى أجيال.
وللقراءة مكان أساسي في بناء هذه القدرة منذ الطفولة، فهي توسع عالم الطفل خارج حدود تجربته المباشرة، وتعرفه بأفكار وثقافات مختلفة، وتمنحه فرصة للتأمل وتكوين الرأي، وبعد أكثر من عقد على إطلاق صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد «تحدي القراءة العربي» عام 2015، تجاوز عدد المشاركين فيه هذا العام 40 مليون طالب وطالبة، وراء هذا الرقم مشروع يمتد أثره إلى ما بعد سنوات الدراسة والمنافسات.
ويراهن على أن تصبح القراءة عادة ترافق الأجيال في حياتها، فالطفل الذي يكتشف متعة القراءة اليوم قد يجد في كتاب شغفاً بالعلم أو البحث أو الكتابة، وربما فكرة تغير مسار حياته.
في عام 2017، قال صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد: «استئناف حضارتنا يبدأ من مدارسنا»، وفي مسيرة تحدي القراءة تتجلى إحدى السمات الأساسية لمدرسة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، حيث تتحول الرؤى الكبرى إلى مشاريع طويلة المدى، وتترسخ مع السنوات في حياة الناس وممارساتهم، فبناء جيل قارئ يحتاج إلى عمل متواصل تشارك فيه المدرسة والأسرة والمجتمع، وإلى بيئة تجعل المعرفة جزءاً من تكوين الإنسان منذ سنواته الأولى.
ومع تطور التكنولوجيا، تتجدد متطلبات التعلم في رؤية صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد بما يستجيب لاحتياجات كل مرحلة، ففي رسالته إلى المعلمين، يتناول واقعاً يستطيع فيه الطالب الحصول على إجابات عن العلوم والتاريخ والأدب من الذكاء الاصطناعي خلال ثوان.
وتتقدم مع هذه التحولات أهمية التفكير والتحليل والتمييز بين الحقيقة والرأي، والقدرة على توظيف المعرفة في إنتاج أفكار وحلول جديدة، وتتسع بذلك مسؤولية التعليم من إتاحة المعلومات إلى بناء العقول القادرة على التعامل معها، ومواكبة ما يستجد من علوم وأدوات.
عرفت الحضارة العربية عصوراً كانت فيها مراكز العلم والترجمة والبحث منارات للمعرفة، وأسهم علماؤها في تقدم الطب والرياضيات والفلك، واستئناف هذا الدور اليوم يحمل طموحاً إلى أن تستعيد الأجيال العربية مكانتها في الإنتاج العلمي والفكري، وأن تشارك في التحولات الكبرى التي يشهدها العالم.
في «الرسائل»، يضع صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد خلاصة تجربته بين أيدي هذه الأجيال، ومن دبي خرجت إلى ملايين الأطفال رسالة أخرى عنوانها القراءة، أما صداها، فسيظهر فيما تضيفه الأجيال القادمة إلى المعرفة والحضارة.
