الشارقة السينمائي حكاية ترويها الأجيال

صناعة العلاقة بين الأجيال عبر الفن والثقافة تعبير حضاري ينتقل من منطق الفرد إلى المجتمع، فالإنسان يبحث دائماً عما يعبر عنه، وعن شيء يلتصق بذاكرته ويصبح جزءاً من تفاصيل حياته اليومية، ويختار الفن والثقافة بوصفهما مساحة للتعبير عن وجوده الإنساني.

لكننا هنا أمام خيار مختلف، حين تؤمن مدينة بأن علاقتها بالفن والثقافة تبدأ من الطفل، فتذهب إليه مباشرة، وتمنحه فرصة اكتشاف ذاته وتشكيل وعيه الإنساني، ليصبح التعبير الفني والثقافي جزءاً من تكوينه، ومن علاقته بالمكان والمجتمع والأجيال التي سبقته والتي ستأتي بعده.

الشارقة تعمل منذ أكثر من ربع قرن على بناء هذه العلاقة في عدة اتجاهات، وتزخر بقيم مجتمعية تعرف قيمة الوقت وكأنها تشعر بأن الطفل الموجود في البيت وعبر حركته وتعبيره هو جزء من المسؤولية المتجاورة للعائلة إلي تطلعات تذهب بكل هذا النشاط والبرامج والمباني والفعاليات والقيم داخل المدينة وخارجها حتى هناك في القرية الصغيرة الجبلية ستجد مبنى أنيقاً صغيراً يرشدك عبر لافتة عن مكان آمن للثقافة والفنون للطفل.

يأتي مهرجان الشارقة السينمائي الدولي للأطفال والشباب بحضور مستدام وحقيقي متجذر في تكوينه الفني والثقافي محافظ على اتزانه دون أن تصيبه التخمة، هكذا مثل الأشياء الصادقة المليئة بالحياة، ليقدم دورته الثالثة عشرة محمّلاً بأثر اثني عشر موسماً من العمل مع الأطفال والشباب، وبروح المدينة التي تبعث إلى العالم رسالتها اليومية في الاهتمام بالإنسان والمكان.

ثلاث عشرة دورة تعني أن طفلاً دخل المهرجان في سنواته الأولى، أصبح اليوم شاباً يحمل ذاكرة سينمائية تشكلت معه، وأن أجيالاً تعاقبت على مشاهدة الأفلام وصناعة الحكايات واكتشاف قدرتها على التعبير، وهنا يمكن قراءة الأثر الحقيقي للمهرجان، في تلك المسافة بين طفل شاهد فيلماً للمرة الأولى، وشاب أصبح قادراً على أن يروي حكايته بنفسه.

هذا المهرجان بالذات يستحق أن نتأمله من زاوية مختلفة، تتجاوز فكرة المنافسة والحضور في المشهد السينمائي، فقد انطلق منذ بداياته برؤية استثنائية وهدف واضح، يتمثل في صناعة مجتمع سينمائي من الأطفال والشباب، يمارسون من خلاله حقهم في التعبير والحضور، ويقدمون رؤاهم ويشاركون في تشكيل تطلعاتهم، ليصبحوا مع مرور السنوات أبطال الحكاية القادمة في هذا العالم.