لم تعد البحار والممرات المائية مجرد مساحات لعبور السفن ونقل البضائع، بل أصبحت جزءاً أساسياً من معادلة الأمن الدولي، تتقاطع فيها المصالح الاقتصادية والحسابات الاستراتيجية والتحديات البيئية.
وتأتي أزمة مضيق هرمز لتكشف عن حقيقة جوهرية، وهي أن تهديد أمن الملاحة البحرية لا يقتصر على تعطيل إمدادات الطاقة والتجارة العالمية، وإنما يمتد إلى البيئة البحرية التي تمثل ثروة طبيعية مشتركة تتعرض لمخاطر التلوث البحري، وتضرر النظم البيئية، وتهديد مصادر رزق المجتمعات الساحلية.
وتتضاعف هذه المخاطر عندما تتحول السفن التجارية وناقلات النفط إلى أطراف غير مباشرة في الصراعات، أو عندما تتعرض المنشآت البحرية وناقلات الطاقة للاستهداف. فالتسرب النفطي، مهما اختلف حجمه، قد يترك آثاراً ممتدة على الشعاب المرجانية والأحياء البحرية ومناطق تكاثر الأسماك، فضلاً عن الأضرار التي تلحق بالثروة السمكية والسياحة الساحلية.
كما أن زيادة حركة السفن في مسارات بديلة، أو إطالة رحلاتها نتيجة المخاطر الأمنية، قد ترفع احتمالات الحوادث والانبعاثات وتزيد الضغوط على البيئات البحرية.
وفي منطقة الخليج العربي، تكتسب هذه التحديات أهمية مضاعفة بسبب الطبيعة شبه المغلقة للمياه، وارتفاع درجات الحرارة، وحساسية بعض النظم البيئية، إلى جانب الاعتماد المتبادل بين دول المنطقة على الموارد البحرية. ومن ثم، فإن أي كارثة بيئية كبرى قد تتحول إلى أزمة إقليمية تتجاوز آثارها الدولة التي وقع الحادث في نطاقها الجغرافي.
إن حماية البيئة البحرية في أوقات الأزمات ليست ترفاً بيئياً، بل جزء من مفهوم الأمن الشامل. ويتطلب ذلك تعزيز أنظمة الإنذار المبكر، وتطوير قدرات الاستجابة السريعة للتسربات النفطية، وتبادل المعلومات بين الدول، وإجراء تدريبات مشتركة للتعامل مع الحوادث البحرية، فضلاً عن ضمان استمرار التنسيق بين الجهات المعنية بالملاحة والطاقة والبيئة والدفاع المدني.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية الدور الإماراتي في دعم أمن الملاحة والاستدامة البحرية، انطلاقاً من موقع الدولة في قلب حركة التجارة والطاقة، ومن إدراكها أن استقرار البحار شرط لاستدامة التنمية والازدهار.
إن أزمة مضيق هرمز تضع دول المنطقة والعالم أمام اختبار يتجاوز إدارة الصراع إلى إدارة مخاطره الإنسانية والاقتصادية والبيئية.
فالممرات البحرية قد تكون ساحات للتنافس، لكن البحار نفسها لا تعترف بالحدود السياسية حين تنتشر الملوثات وتتضرر النظم البيئية. ولذلك، فإن صون أمن البيئة البحرية يجب أن يظل مصلحة مشتركة تتقدم على حسابات التصعيد، لأن حماية البحر اليوم هي حماية لحق الأجيال القادمة في بيئة سليمة واقتصاد أكثر استقراراً.
