هل أشعلت «ملكة» منفية شرارة الغزو الروماني لبريطانيا؟

قبل نحو ألفي عام، عبرت الجيوش الرومانية بحر المانش ونزلت على سواحل بريطانيا، لتبدأ عام 43 ميلادياً واحدة من أهم التحولات في تاريخ الجزيرة، لكن خلف ذلك الغزو تقف شخصية غامضة نسبياً، ربما تحتاج قصتها إلى إعادة كتابة: ماذا لو كان الحاكم الذي لجأ إلى روما ومهّد الطريق أمام الغزو امرأة وليس رجلاً؟

هذه هي الفرضية المثيرة للجدل التي يطرحها عالم الآثار مايلز راسل، مدير الأعمال الأثرية الميدانية في جامعة بورنموث، حول «فيريكا»، حاكم قبيلة الأتريبات في أواخر العصر الحديدي.

ويرى راسل أن فيريكا، الذي اعتبره المؤرخون طويلاً ملكاً، ربما كان في الحقيقة ملكة.

ولا تكمن أهمية الفرضية في تصحيح جنس شخصية تاريخية فحسب، إذ كان فيريكا لاعباً محورياً في الأحداث التي سبقت الغزو الروماني لبريطانيا.

فبريطانيا آنذاك لم تكن دولة موحدة، إنما كانت تضم جماعات وقبائل وممالك متنافسة، تجمع بعضها علاقات تجارية وسياسية وثيقة بروما، ولم تكن الجزيرة مجهولة للرومان أيضاً، فقد حاول يوليوس قيصر دخولها في حملتين عامي 55 و54 قبل الميلاد، لكنهما لم تؤديا إلى احتلال دائم.

وبعد نحو قرن، جاءت حملة الإمبراطور كلوديوس عام 43 للميلاد، وهذه المرة تحولت أجزاء واسعة من بريطانيا إلى أراض خاضعة لروما لقرون. 

وسط هذه الصراعات، حكم فيريكا قبيلة الأتريبات، التي امتدت أراضيها في أجزاء مما يُعرف اليوم بجنوب إنجلترا، ولا سيما هامبشاير وغرب ساسكس.

وتكشف العملات المنسوبة إليه عن صلات وثيقة بالعالم الروماني، كما كان يُنظر إليه بوصفه حليفاً لروما في المنطقة. 

لكن ميزان القوى أخذ يتغير مع توسع نفوذ الكاتوفيلوني، وهي قوة قبلية منافسة ارتبطت بالزعيم كونوبيلينوس وأبنائه.

وتعرضت أراضي فيريكا لضغوط متزايدة، وانتهى الأمر بخسارته السلطة مع صعود كاراتاكوس، ابن كونوبيلينوس، وفراره من بريطانيا في مطلع أربعينيات القرن الأول الميلادي. 

وهنا تحولت أزمة محلية إلى حدث ستكون له تداعيات هائلة، فقد توجه فيريكا إلى روما طالباً المساعدة من الإمبراطور كلوديوس.

ويذكر المؤرخ الروماني كاسيوس ديو شخصية بريطانية تدعى «بيريكوس» لجأت إلى كلوديوس بعد طردها من الجزيرة، ويرى مؤرخون أن المقصود بها فيريكا، وبذلك منح لجوء حاكم حليف لروما الإمبراطور مبرراً سياسياً مناسباً للتدخل في بريطانيا.

لا يعني ذلك أن فيريكا كان السبب الوحيد وراء الغزو، فالإمبراطورية كانت تملك مصالح واستراتيجيات أوسع، لكن قضيته وفّرت ذريعة مباشرة للتحرك، ولهذا يلخص راسل أهمية الشخصية بقوله إنه «من دون فيريكا، ربما لم يكن هناك غزو روماني».

لكن المفاجأة التي يطرحها راسل اليوم تكمن في هوية هذا الحاكم نفسه.

إحدى الحجج هي الاسم، إذ يقول إن الأسماء البريطانية في العصر الحديدي المنتهية بحرف «A» كانت في الغالب مؤنثة، ويقارن «فيريكا» باسمي حاكمتين معروفتين، بوديكا وكارتيماندوا، مع إقراره بأن ذلك لا يمثل قاعدة لغوية مطلقة.

وتأتي العملات لتضيف مزيداً من الغموض، فقد حملت عملات فيريكا كلمة Rex اللاتينية، التي ارتبطت تقليدياً بالملك، لكن راسل يجادل بأن استخدامها لا يحسم بالضرورة جنس الحاكم.

كما يشير إلى أن بعض العملات تظهر شخصية رشيقة الصدر على ظهر حصان، ويفسرها باعتبارها محاربة أنثى، على خلاف الصور الذكورية الأوضح على عملات حكام آخرين. 

وأبدى متخصصون في العملات والنقوش القديمة تشككهم في اعتبار الصور أو كلمة «Rex» دليلاً كافياً، كما أن كاسيوس ديو تعامل مع فيريكا بوصفه رجلاً، وإن كان قد كتب بعد الأحداث بأكثر من قرنين.

وتكتسب الفرضية أهمية إضافية لأن النساء لم يكنّ غائبات عن السلطة في بريطانيا آنذاك، فقد حكمت كارتيماندوا البريغانتس، فيما أصبحت بوديكا لاحقاً واحدة من أشهر رموز المقاومة ضد روما.