اتجه الناخبون في إسرائيل، اليوم الثلاثاء، إلى صناديق الاقتراع لانتخاب الكنيست السادس والعشرين، في انتخابات تشهد منافسة محتدمة بين 36 قائمة حزبية على 120 مقعداً، وسط انقسام سياسي بشأن مستقبل البلاد، وترقب لاحتمالات تشكيل الحكومة المقبلة في ظل تقارب القوى المتنافسة.
و تبدأ المعركة الحقيقية، حين تتحول نتائج الصناديق من أرقام انتخابية إلى أوراق تفاوض، وتصبح الأحزاب الصغيرة قادرة على ترجيح كفة حزب كبير أو إسقاط رهاناته. وقد يجد الحزب المتصدر نفسه عاجزاً عن تشكيل حكومة، فيما يتمكن منافسوه من بناء تحالف يمنحهم الأغلبية المطلوبة. وهكذا، لا تكون صناديق الاقتراع الكلمة الأخيرة، بل بداية جولة جديدة من الصراع على السلطة لا تنتهي المعركة الانتخابية في إسرائيل عند إغلاق صناديق الاقتراع، ولا تُحسم بالضرورة عند إعلان النتائج. فبين أصوات الناخبين ومفاتيح السلطة مسافة سياسية واسعة، تتداخل فيها حسابات الأحزاب، ومساومات تشكيل الائتلافات، وصراعات المصالح، فضلاً عن سؤال أكثر حساسية يتعلق بمستقبل بنيامين نتنياهو وقدرته على البقاء في الحكم.
التمثيل النسبي
تبدأ الحكاية بورقة واحدة، لكن المعركة الحقيقية تبدأ بعد إغلاق الصناديق ولا تنتهي إلا عندما ينجح أحدهم في جمع 61 مقعداً، الناخب قد يمنح صوته لحزب كبير، لكن القرار النهائي بشأن هوية رئيس الحكومة قد يتوقف على أحزاب أصغر بكثير.
ففي نظام التمثيل النسبي، تكتسب المفاوضات اللاحقة للاقتراع أهمية استثنائية. وقد تتحول الأحزاب الدينية والقومية والوسطية، بحسب نتائج الانتخابات وتركيبة الكنيست، إلى أطراف حاسمة في تحديد هوية الائتلاف المقبل.
ولا تقتصر المساومات على توزيع المناصب، بل تمتد إلى أولويات الحكومة، وموازنات الدولة، والسياسات الاجتماعية والأمنية، وحدود التنازلات التي يمكن تقديمها للشركاء. لذلك، قد تبدأ مرحلة ما بعد الانتخابات بمفاوضات طويلة ومعقدة، تتحول خلالها الأغلبية الحسابية إلى اختبار حقيقي للقدرة على الحكم.يسعى بنيامين نتنياهو، الذي أمضى 19 عاما في رئاسة الوزراء، وهي أطول مدة في تاريخ إسرائيل، إلى ولاية جديدة بينما يُحاكم بتهم فساد. ويخوض حزب الليكود والائتلاف اليميني المتطرف الذي يقوده سباقا متقاربا مع كتلة معارضة تقودها أحزاب يهودية. ولا يبدو أن أيا من الطرفين يتجه إلى نيل أغلبية مطلقة في البرلمان الإسرائيلي (الكنيست) المؤلف من 120 مقعدا.
إنتاج الإئتلاف
بالنسبة لنتنياهو، لا يتعلق التحدي بمجرد الفوز بالانتخابات أو تحسين موقع حزبه، بل بقدرته على إعادة إنتاج ائتلاف يضمن له الاستمرار في الحكم. فالمعركة بالنسبة إليه تتجاوز عدد المقاعد إلى طبيعة الشركاء المحتملين، وشروطهم، ومدى استعدادهم لتقديم تنازلات متبادلة من أجل الوصول إلى الحكومة.لكن حسابات نتنياهو لا تنفصل عن السياق الإسرائيلي الداخلي، حيث تتشابك الخلافات بشأن إدارة الحروب، والأمن، والاقتصاد، والعلاقة بين المؤسسات، ومستقبل التسويات السياسية. وهذه الملفات قد تتحول إلى عوامل ضغط على أي ائتلاف مقبل، خصوصاً إذا جاءت النتائج متقاربة ولم تمنح أي معسكر أغلبية واضحة. يحل حزب الليكود، القوة المهيمنة على اليمين الإسرائيلي منذ سبعينيات القرن الماضي، في الاستطلاعات الآن خلف حزب يَشار بقيادة غادي آيزنكوت.
وتُظهر الاستطلاعات أيضاً أنه إذا خُيِّر الإسرائيليون بين آيزنكوت ونتنياهو، فإنهم يميلون إلى تفضيل الجنرال السابق، الذي حظي بتعاطف شعبي بعد مقتل ابنه في القتال في غزة.
وفي حال وصول آيزنكوت إلى رئاسة الحكومة، فإن التغيير المرجح لن يكون في جوهر العقيدة الأمنية الإسرائيلية، بل في طريقة إدارتها. فآيزنكوت، بحكم خلفيته العسكرية، لا يمثل تياراً يبحث عن تسوية بأي ثمن، وإنما اتجاهاً يريد إعادة ضبط استخدام القوة وربطه بهدف سياسي واضح.
حسابات
وضع الورقة في الصندوق خلال ثوانٍ، لكن تحويلها إلى حكومة قد يستغرق أسابيع من الحسابات والمفاوضات ، وفي مثل هذه الظروف، يصبح تشكيل الحكومة اختباراً سياسياً لا يقل صعوبة عن خوض الانتخابات نفسها. فكل مقعد قد يحمل وزناً يتجاوز حجمه العددي، وكل حزب صغير قد يجد نفسه في موقع يسمح له بفرض شروط تتعلق بالحقائب الوزارية أو السياسات الحكومية أو التشريعات التي يريد تمريرها الانتخابات الإسرائيلية تقوم على التمثيل النسبي؛ إذ يضم الكنيست 120 مقعدًا، ولا تحصل القائمة على تمثيل إلا بعد تجاوز نسبة الحسم البالغة 3.25% من الأصوات الصحيحة،
وبعد ذلك توزع المقاعد وفق القوة الانتخابية للقوائم التي اجتازت العتبة.وفقاً لقانون الأساس في إسرائيل (الحكومة)، لا يشترط نيل ثقة الكنيست الحصول الوجوبي على دعم 61 عضواً أو أكثر (الأغلبية المطلقة من إجمالي 120 مقعداً)، بل يكتفي القانون بنيل الأغلبية النسبية للمشاركين في التصويت (أغلبية الأصوات الصالحة للحاضرين). وعلى سبيل المثال لا الحصر، إذا حصل معسكرٌ على تأييد 58 عضواً مقابل 56 معارضاً، واختار أصحاب الستة مقاعد المتبقية الوقوف على الحياد (عبر الامتناع عن التصويت أو الغياب عن الجلسة)، فإن الحكومة تنجح رسمياً في نيل ثقة الكنيست وتُعتبر شرعية قانوناً. وتُصنف الحكومة في هذا السيناريو بـ حكومة الأقلية، وبرغم قانونية تشكيلها، إلا أنها تواجه تحديات سياسية وتشريعية معقدة.
ولعل ما يميز هذه الانتخابات عن سابقاتها أن الناخب الإسرائيلي لا يقترع هذه المرة على أساس الوعود المتعلقة بالأمن والحرب والسلام فحسب، بل في ضوء تجربة عاشها بالفعل، بكل ما رافقها من خسائر بشرية وأعباء اقتصادية كما تبرز في هذا السياق 3 عوامل رئيسية قد تؤثر في مسار الانتخابات: عودة إسرائيليين مقيمين في الخارج للمشاركة في التصويت، وصعود غادي آيزنكوت بوصفه أحد أبرز منافسي نتنياهو، والدور المحتمل للأحزاب العربية في تحديد موازين القوى داخل الكنيست.
انقسام
سواء بقي نتنياهو في السلطة أو غادرها، ستواجه الحكومة المقبلة مجتمعاً منقسماً حيال المحاسبة والتجنيد والقضاء و وقد تحدّد صناديق الاقتراع من يحكم إسرائيل، لكنها لن تحسم الخلاف على قواعد الحكم، وتبدو الانتخابات وكأنها منافسة على كفاءة إدارة الدولة بقدر ما هي منافسة على السياسات. فقد تُحدث حكومة أخرى تغييرات ملموسة في طريقة الحكم وترتيب الأولويات، لكن من غير الواضح بالقدر نفسه ما إذا كانت ستتبنّى مقاربة مختلفة جذرياً تجاه القضايا الأهم إستراتيجياً.

