في الساعات الأخيرة من بعد ظهر الخميس، السابع والعشرين من أغسطس الجاري، ظهر على حساب دونالد ترامب في منصّة «تروث سوشال» جدول هادئ المظهر، أنيق التبويب، تصطفّ فيه صور رؤساء الولايات المتحدة في ستّ طبقات متدرّجة من القمة إلى القاع؛ «الأعظم»، ثم «العظيم»، ثم «القريب من العظمة»، ثم «المتوسط»، ثم «دون المتوسط»، وأخيراً «الفاشلون». وطبعاً، في المرتبة الأولى، وحيداً، من غير منافس، كان دونالد ترامب.
الصورة، في ظاهرها، مزحة من مزاح رجل تعوّد أن يصف نفسه بكل صيغ التفضيل، غير أن المراقبين يرون أن التدقيق فيها يكشف ما هو أكثر إثارة للاهتمام من "نرجسيّة" رجل يحكم أقوى دولة في العالم، ويفتح باباً على سؤال قديم متجدد؛ من يملك سلطة إصدار حكم التاريخ، ومتى يُصدره؟
في الجدول تصطفّ تحت خانة «العظيم» ستّة أسماء: أبراهام لينكولن، وجورج واشنطن، وفرانكلين ديلانو روزفلت، ووودرو ويلسون، وتوماس جيفرسون، وأندرو جاكسون. وفي خانة «القريب من العظمة» يحلّ ثيودور روزفلت، وغروفر كليفلاند، وجون آدامز، وجيمس بولك. أما «المتوسطون» فجماعة عريضة تضمّ بيل كلينتون، وجون كوينسي آدامز، وجيمس مونرو، وروذرفورد هايز، وجيمس ماديسون، ومارتن فان بورين، ووليام هوارد تافت، وتشيستر آرثر، ووليام مكينلي، وأندرو جونسون، وهربرت هوفر، وبنجامين هاريسون. وينزل إلى «دون المتوسط» جون تايلر، وكالفن كوليدج، وميلارد فيلمور، وزاكاري تايلور، وجيمس بيوكانان، وفرانكلين بيرس. وفي القاع، تحت لافتة «الفاشلين»، خمسة: جو بايدن، وباراك أوباما، ويوليسيس غرانت، ووارن هاردنغ، وجيمي كارتر.
اللافت أن الجدول ضمّ 33 من أصل 45 رجلاً تولّوا المنصب، وقائمة الغائبين مذهلة: وليام هنري هاريسون، وجيمس غارفيلد، وهاري ترومان، ودوايت أيزنهاور، وجون كينيدي، وليندون جونسون، وريتشارد نيكسون، وجيرالد فورد، ورونالد ريغان، وجورج بوش الأب، وجورج بوش الابن. أحد عشر رئيساً خارج الميزان تماماً، والغريب أن فيهم ريغان، أكثر رمزٍ جمهوريّ حضوراً في وجدان الحزب طوال أربعين عاماً.
هنا انفجرت السخرية. كتب المعلّق السياسي جونا غولدبرغ، رئيس تحرير «ذا ديسباتش»، كلمتين قاسيتين وصف بهما المنشور، فيما وقف آخرون حائرين أمام مواقع بعض الرؤساء وأمام غياب ريغان تحديداً، ولاحظ بعضهم أن ترامب يحتفظ بلوحة لريغان في البيت الأبيض ومع ذلك لم يجد له مكاناً في جدوله. صارت القصة، في أغلب التغطيات، قصة رئيس نسي أسلافه أو تعمّد إقصاءهم.
لنعد إلى قصة هذا الجدول الذي لم يخترعه ترامب، ذلك أنه نسخة معدَّلة من تصنيف نشرته مجلة «لايف» الأميركية سنة 1948، مبنيّ على استطلاع شمل 55 من كبار المختصّين في التاريخ الأميركي. النسخة المنشورة على «تروث سوشال» أبقت على الترتيب الأصلي وعلى ثغراته كما هي، ثم أضافت ثلاثة رؤساء ديمقراطيين معاصرين إلى خانة «الفاشلين»، وواحداً إلى خانة «المتوسطين»، ووضعت ترامب في القمة.
في عدد «لايف» الصادر في الأول من نوفمبر 1948، وتحت عنوان «المؤرخون يقيّمون رؤساء الولايات المتحدة»، شرح الأستاذ في هارفارد آرثر شليزنجر الأب أنه استبعد ثلاثة أسماء من التقييم: هاريسون الذي مات بعد شهر من تنصيبه، وغارفيلد الذي أُصيب برصاصة بعد أربعة أشهر من قسمه، وترومان لأن سجلّه لم يكن قد اكتمل بعد. وطبعاً، أيزنهاور وكينيدي وجونسون ونيكسون وفورد وريغان وآل بوش، لم يكن أحد منهم قد بلغ البيت الأبيض حين طُبع ذلك الجدول. وغيابهم عن منشور 2026 أثرٌ ميكانيكيّ محض لعمر الوثيقة، لا أكثر.
مهما يكن قصد ترامب من التعديلات على جدول شليزنجر، فإن ما يستحقّ الوقوف عنده حقاً هو اللمسات الأربعة التي أضافها، والتي تحمل كل منها تصريحاً سياسياً لا يجهد نفسه لإخفائه.
اللمسة الأولى، وهي الأعلى صوتاً، إنشاء طبقة سادسة خاصة به في الجدول، فالأصلي كان خماسيّ الطبقات أو المراتب، أعلاها «العظيم»؛ ولو أراد ترامب أن يمدح نفسه بالمقياس المتاح لوضع اسمه إلى جانب لينكولن وواشنطن. لكنه اختار أن تكون له طبقة خاصة به.
واللمستان الثانية والثالثة تخصّان القاع، فالقاع الأصلي في استطلاع 1948 كان يتّسع لاثنين فقط؛ يوليسيس غرانت ووارن هاردنغ، وهما اسمان مرتبطان في الذاكرة الأميركية بفضائح الفساد الإداري أكثر من ارتباطهما بأيّ شيء آخر. وأضاف ترامب إليهما ثلاثة؛ أوباما وبايدن وهما خصمان مباشران له، إضافة إلى كارتر.
أما اللمسة الرابعة فهي الأذكى والأغرب، والأكثر إفصاحاً عن ذهن صاحبها: بيل كلينتون في خانة «المتوسطين». والقرار على حقيقته يستحقّ تأمّلاً، أربعة رؤساء ديمقراطيين أُضيفوا إلى جدول 1948، ثلاثة منهم هبطوا إلى القاع بلا تمييز، وواحد نجا. والناجي هو الرجل الذي قضى ترامب سنوات في مهاجمته هو وزوجته، والذي كانت خصومته معه شخصية بقدر ما كانت سياسية. فلماذا يُعفى كلينتون ويُدان كارتر، وقد فصل بينهما اثنا عشر عاماً؟
أقرب ما يفسّر ذلك أن الرؤساء عند ترامب صنفان؛ من أدار اقتصاداً قوياً، ومن خاض حرب هوية. وتسعينيات كلينتون تنتمي في المخيال الأميركي العام إلى زمن الفوائض المالية والتشغيل المرتفع والأسواق الصاعدة، وهي المفردات نفسها التي يقيس بها ترامب رئاسته ويطالب بأن يُقاس بها. صحيح أن كلينتون كان مهندس اتفاقيات التجارة الحرّة التي بنى ترامب حملته الأولى على نقضها؛ لكنّ النقض هناك كان موجّهاً إلى السياسة، لا إلى الرجل بوصفه تجسيداً لمشروع مضادّ. وهذا فارق حاسم. أما أوباما وبايدن فينتميان في هذه الخريطة إلى صنف آخر تماماً؛ رئاستان يقرؤهما الخطاب الذي يقوده ترامب بوصفهما مشروعاً لإعادة تعريف من ينتمي إلى أميركا ومن لا ينتمي، عبر الهجرة والحدود والحقوق المدنية وسياسات التنوّع. والخصومة معهما خصومة على معنى البلد نفسه، والخصومة مع كلينتون كانت خصومة على إدارته.
يُضاف إلى ذلك أن كلينتون رجلٌ خرج من المنصب وقد نجا من عزلٍ برلمانيّ، ثم أعادت السنوات ترميم صورته العامة تدريجياً. وهذا مسارٌ يعرفه ترامب من داخله ويستشهد به. تخفيف الحكم عليه يخدم صاحب الجدول. وحين يُقرأ الموقع الذي مُنح لكلينتون على هذا النحو، يتبيّن أنه أعمق تعديلات الجدول الأربعة دلالةً وأقلّها ضجيجاً؛ خانة «المتوسط» هنا إعلانٌ عن الخطّ الفاصل، في ذهن ترامب، بين خصمٍ سياسيّ وعدوّ وجوديّ، أكثر منها تقييماً لرئاسة.
يبقى أن نعرف من أين جاء هذا الجدول أصلاً، ولماذا وُلد سنة 1948 بالذات، وما الفلسفة التي كانت تحكم صاحبه حين قسّم الرؤساء إلى عظماء وفاشلين. وهناك تكمن المفارقة الثانية، وهي أشدّ سخريةً من الأولى.
في عدد مجلة «لايف» ذاته صورةٌ في الصفحة السابعة والثلاثين تستحقّ أن تُروى حكايتها. تُظهر الصورة رجلاً يعبر خليج سان فرانسيسكو على متن عبّارة، وتحتها تعليق يقول: "الرئيس القادم في طريقه فوق مياه الخليج العريضة". الرجل في الصورة هو توماس ديوي. وبعد يومين اثنين فقط من صدور ذلك العدد، خسر ديوي الانتخابات أمام هاري ترومان في واحدة من أشهر المفاجآت الانتخابية في التاريخ الأميركي. والمفارقة أن العدد نفسه، الذي أخطأ المستقبل بهذا الوضوح، كان يحمل في صفحته الخامسة والستّين مشروعاً يزعم أنه يحسم الماضي؛ مقال شليزنجر، الذي دعا 55 من زملائه المؤرخين إلى تصنيف كلّ رئيس ضمن خمس درجات، ونُشرت نتيجته مصحوبةً بتنبيه صريح إلى الأسماء الثلاثة المستبعدة.
وما جرى في 1948 كان مولد صناعة كاملة، فقد كان تقييم الرؤساء قبل ذلك من مادّة الواجبات المدرسية أكثر منه من شغل الأكاديميين؛ ورأى كثير من المؤرخين أن إخضاع تاريخ بهذا التعقيد لمعايير عدديّة أمر لا يليق، وأن ترتيب عشرات الإدارات في صفّ واحد يشبه ترتيب فرق كرة القدم الجامعية أو قوائم أفضل الأفلام. ثم جاءت دعوة محرّري «لايف» إلى شليزنجر فقبلها. ولم يكن التوقيت اعتباطياً. فمع فرانكلين روزفلت، الذي بدا لكثير من الأميركيين وكأنه الحكومة الاتحادية ذاتها لحضوره في حياتهم على نحو لم يعرفوه مع أيّ سلف، تضخّم الافتتان بالمنصب الرئاسي، وصار الأميركيون يقرؤون تاريخ بلادهم بوصفه سلسلة رؤساء، تماماً كما قرأ الإنجليز تاريخهم عبر تعاقب الملوك ورؤساء الوزراء، وكما تحدّث الصينيون بلغة الأسر الحاكمة. ولد الجدول، إذاً، في لحظة كانت أميركا فيها تتعلّم كيف تختصر نفسها في رجل واحد. ومنشور ترامب هو التجلي الأوضح لأمة تختصر تاريخها في رجل.
معايير
أما المفارقة الكبرى فتكمن في المعيار الذي حكّمه شليزنجر نفسه، فقد كان الرجل مؤيّداً للطريقة التي أعاد بها رؤساء مثل ثيودور روزفلت ووودرو ويلسون تشكيل المنصب الرئاسي، ومناصراً لسلطة تنفيذية أقوى، شأنه في ذلك شأن من دعوا لاحقاً إلى نظرية «التنفيذي الموحَّد». وكتب سنة 1948 عبارة صريحة: "الرؤساء العظماء كانوا رؤساء أقوياء، وكلّ واحد منهم ضخّم السلطة التنفيذية على حساب باقي فروع الحكومة".
هذه الجملة الواحدة تفسّر لماذا صعد أندرو جاكسون إلى مصافّ العظماء رغم سجلّه المعروف في تهجير السكّان الأصليين ودفاعه عن الرقّ. ومن هنا تنشأ مفارقة ثالثة، أدقّ من سابقتيها وأشدّ إحراجاً لناشر الجدول: بقاء وودرو ويلسون وفرانكلين روزفلت في خانة «العظماء».
ففي الخطاب المحافظ المعاصر، وفي التيار الذي يقوده ترامب على وجه الخصوص، يحتلّ هذان الاسمان موقع الخصم التأسيسي. ويلسون هو الرجل الذي تُنسب إليه في هذا الخطاب ولادة الدولة الإدارية الحديثة وسلطة البيروقراطية الاتحادية على المنتخبين، ويُقدَّم في كتابات كثيرة محسوبة على هذا التيار بوصفه الأب النظريّ لما يسمّونه «الدولة العميقة». وروزفلت هو صاحب «الصفقة الجديدة»، أي اللحظة التي تضخّمت فيها الحكومة الاتحادية وبرامجها الاجتماعية إلى الحجم الذي بُنيت الحركة المحافظة كلّها على مناهضته منذ الخمسينيات. أن يمرّ هذان الاسمان في قمة جدول ينشره ترامب، من غير مساس ولا تعديل، أمرٌ يقول شيئاً لا يقوله أيّ تفصيل آخر في الصورة.
ويقول تحديداً إن العملية كانت استعارة شكلية سريعة، إذ لم يُمحَّص الجدول أيديولوجياً، ولم تُراجَع خاناته الوسطى ولا العليا، ولم يسأل ترامب نفسه قبل نشره، إن كانت الأسماء المصفوفة تحته تنسجم مع مشروعه أو تناقضه. جرى التعامل مع الوثيقة بوصفها إطاراً جاهزاً وحسب، يُلصق الاسم في أعلاه، ويُلقى الخصوم في أسفله، ويُترك ما بينهما كما وجده صاحبه. الهدف كان أن يعتلي رأس الجدول وتوسيع القاع لخصومه، وكلّ ما عدا ذلك حشوٌ ورثه المنشور من أصله.
جدول 1962
ثم إن ذلك الجدول لم يثبت على حاله، فقد أعاد شليزنجر التجربة سنة 1962 لمجلة «نيويورك تايمز» بمشاركة 75 من دارسي التاريخ، وضيّق نطاق السؤال باشتراط أن يقوم التقييم على الأداء داخل المنصب وحده، حتى لا يكسب القائد العسكري اللامع نقاطاً من معارك انتصر فيها قبل وصوله إلى البيت الأبيض. وكان أبرز تغيير في تلك النسخة هبوط أندرو جاكسون من خانة «العظيم» إلى «القريب من العظمة». وفي الاستطلاع ذاته دخل ترومان — الذي استُبعد سابقاً لعدم اكتمال ولايته — في المرتبة التاسعة ضمن «القريبين من العظمة»، فيما حلّ أيزنهاور، الذي كان قد غادر المنصب قبل عام، في المرتبة الثانية والعشرين، بين تشيستر آرثر وأندرو جونسون. عندئذ صاح الجمهوريون بأن شليزنجر حشا هيئة المحلّفين بالديمقراطيين، فردّ بأنه اختار أبرز مؤرّخي البلاد. والجدل نفسه، بحرفيّته، يتكرّر اليوم؛ والقارئ الذي يظنّ الاشتباك حول شرعية هذه التصنيفات ابن هذا الزمن يخطئ بأربعة وستّين عاماً على الأقل.
جدول 1996
ثم حمل الابن راية الأب، فأجرى آرثر شليزنجر الابن النسخة الثالثة سنة 1996 للمجلة نفسها. ومن مقارنة النسخ الثلاث تظهر الحقيقة الأهم في هذا الباب كلّه؛ حكم التاريخ متحرّك. فأندرو جونسون كان في المرتبة التاسعة عشرة سنة 1948، ثم هبط إلى الثانية والعشرين سنة 1962، ثم انهار إلى السابعة والثلاثين سنة 1996، ثم استقرّ في السادسة والثلاثين في استطلاع «جمعية الفدراليين» و«وول ستريت جورنال» سنة 2000. وعلى الضفة المقابلة كان يوليسيس غرانت يصعد بثبات، فانتقل من كونه أحد «الفاشلَين» الوحيدين سنة 1948 إلى مجرّد «دون المتوسط» سنة 2000.
ومعنى ذلك أن الجدول الذي نشره ترامب يضع غرانت في القاع بوصفه فاشلاً، وهو حكمٌ تخلّى عنه المؤرخون تدريجياً منذ عقود. الوثيقة التي استعارها ليصدر بها حكماً نهائياً على معاصريه هي وثيقة نقضها أصحابها بأنفسهم في نسخها التالية.
جداول أخرى
وقد صارت الصناعة بعد الشليزنجرَين واسعة ومزدحمة، فمنذ ذلك الحين أجرت عشرات الجهات الأكاديمية والإعلامية استطلاعات مشابهة، منها كليّة سيينا، وجمعية الفدراليين، وشبكة «سي-سبان». ولكلٍّ منها منهجه ومعاييره وأوزانه؛ فبعضها يفكّك التقييم إلى عشرين فئة كما تفعل سيينا، وبعضها يكتفي بدرجة عامّة للعظمة، وبعضها يوزّع الأسئلة على أبعاد متعدّدة، ويختلف تكوين العيّنة بين مؤرخين وعلماء سياسة. ولهذا تختلف النتائج في التفاصيل، وتتقارب على نحو لافت في الخطوط الكبرى.
وهنا يصل السؤال إلى صيغته الحادّة: أين يقف دونالد ترامب حين تُطبَّق عليه المساطر نفسها التي استعار منها جدوله؟
الجواب موجود، ومنشور، ومتاح بضغطة زر، ففي فبراير 2024 صدرت نتائج «مشروع العظمة الرئاسية»، وهو استطلاع شمل 154 خبيراً من دارسي السياسة الرئاسية ومؤلّفي الأبحاث المحكَّمة في هذا الحقل، طُلب إلى كلّ واحد منهم أن يمنح كلّ رئيس درجة من صفر إلى مئة، حيث يمثّل الصفر الفشل، والخمسون المتوسط، والمئة العظمة. جاء لينكولن أولاً كعادته، وحلّ دونالد ترامب أخيراً بمتوسّط قدره 10.92 درجة، أي أدنى بنحو ستّ درجات من متوسّط جيمس بيوكانان صاحب المرتبة قبل الأخيرة. ولم تكن تلك المرّة الأولى؛ فقد جاء ترامب في المرتبة الأخيرة في نسخة 2018 أيضاً، فيما تصدّر لينكولن القائمة في نسخها الثلاث جميعاً.
هذه الأرقام تحتمل الطعن، بل تستدعيه، فقد أشعلت النتائج عاصفة من الانتقادات على مواقع التواصل من مؤيّدي ترامب، الذين شكّكوا في مصداقية الاستطلاع وفي جدواه أصلاً، وردّ جاستن فون، أحد مديري المشروع، بأن هذا التشكيك أمر طبيعي. والاعتراض المألوف — أن جامعات العلوم السياسية تميل يساراً — اعتراض له وجاهته، ومن الإنصاف أن يُسجَّل. لكن القائمين على الاستطلاع سبقوا إليه، ففصّلوا النتائج بحسب الانتماء السياسي للمستجيبين ونشروا القراءتين معاً، ولاحظوا أن انتماء الخبراء الحزبيّ لا يغيّر الترتيب العام وإن ظهرت فيه فروق، وأن الجمهوريين والمحافظين منهم يضعون جورج واشنطن في القمة بينما يضعه الديمقراطيون ثانياً أو ثالثاً. ويشير الباحثان براندون روتنغهاوس وجاستن فون إلى أن الخبراء المعاصرين صاروا يخصمون من رصيد الرئيس مقابل إضعافه للأعراف المؤسّسية، وأن هذا العامل تحديداً هو ما جرّ تقييم ترامب إلى الأسفل في استطلاع 2024.
والصورة تخفّ حدّتها في مقاييس أخرى، ففي استطلاع «سي-سبان» للمؤرخين سنة 2021 جاء ترامب في المرتبة الحادية والأربعين من أصل أربعة وأربعين رئيساً مشمولاً، أي فوق أندرو جونسون وجيمس بيوكانان. وفي استطلاع سيينا لسنة 2022 حلّ ضمن الخمسة الأدنى، بصحبة أندرو جونسون وبيوكانان ووارن هاردنغ وفرانكلين بيرس. وحين جمعت مجلة «يو إس نيوز» متوسّط ثلاثة استطلاعات — سيينا و«سي-سبان» ومشروع العظمة الرئاسية — استقرّ ترامب ثالثَ أسوأ رئيس في تاريخ البلاد. ومع ذلك يمنحه بعض الخبراء أنفسهم درجات مرتفعة في محاور بعينها، كالجرأة على المخاطرة وقيادة الحزب، ما يعني أن الأمر أقرب إلى ميزان معقّد منه إلى إدانة مسطّحة.
فما الذي يدفع رجلاً في الثمانين، يشغل أرفع منصب في العالم، إلى فعل كهذا؟
حكم التاريخ
الإجابة السهلة كما يقول مراقبون هي "الغرور"، وهي إجابة صحيحة وناقصة في آن. والأصحّ أن ما جرى ينتمي إلى باب آخر "استعجال حكم التاريخ"، فكلّ رئيس أميركي منذ روزفلت عاش وهو يعرف أن جدولاً كهذا ينتظره بعد رحيله، وأن اسمه سيوضع يوماً ما في خانة من الخانات الخمس بقرار أناس لا يملك عليهم سلطاناً. غالبيّتهم تعاملوا مع هذه الحقيقة بالصمت، أو بكتابة المذكّرات، أو ببناء المكتبات الرئاسية التي تروي القصة كما يحبّون أن تُروى. أما ترامب فاختار أن يسبق المؤرخين إلى كتبهم، ويأخذ قلمهم، ويكتب السطر بيده، وهو ما يزال في المنصب.
وفي هذا الاختيار منطق يستحقّ الفهم قبل السخرية، فالرجل بنى مسيرته السياسية كلّها على مصادرة سلطة الوسطاء: الصحافة التي تنقل، والمؤسسات التي تُجيز، والخبراء الذين يصدّقون. وحكم التاريخ آخر وسيط باقٍ، وأصعبهم مراساً، لأنه يعمل بعد فوات الأوان.
ويكتمل هذا المعنى في الشكل الذي اختير للرسالة، فالصيغة التي ظهر بها الجدول، طبقاتٌ متدرّجة من «الأعظم» إلى «الأفشل»، بصور مصفوفة في صفوف أفقية، هي بالضبط صيغة «قائمة المراتب» التي شاعت في ثقافة الإنترنت خلال السنوات الأخيرة، والتي يستخدمها ملايين الشبان لترتيب كلّ شيء؛ شخصيات ألعاب الفيديو، وأنواع الوجبات السريعة، ولاعبي كرة السلة، وأحياناً الرؤساء أنفسهم. إنها لغة بصرية وُلدت في المنتديات ومقاطع الفيديو القصيرة، وهي في جوهرها لعبة؛ تصنيفٌ سريع، ذاتيّ، غير ملزم، يقوم على الاستفزاز والمتعة أكثر مما يقوم على البرهان. والمفارقة أن جدول شليزنجر الأكاديمي الرصين، حين مرّ عبر هذه الصيغة، فقد صفته الأولى واكتسب صفة اللعبة. رئيس الولايات المتحدة، بعبارة أخرى، أصدر حكمه على أسلافه بلغة الميم لا بلغة الوثيقة، ثم عاد المنشور فدار على المنصّات بوصفه ميماً بالفعل، مادةً للسخرية والمحاكاة والنسخ المضادّة.
التوقيت
المنشور لم يأتِ في فراغ ولم يأتِ وحده؛ بل جاء مرفقاً بمقطع من شبكة «سي إن إن» يناقش استطلاعاً أجرته الشبكة مع جامعة إيلون، أظهر أن 53% من الجمهوريين يختارون ترامب رئيساً أكثر إثارة لإعجابهم، مقابل 18% لريغان و8% للينكولن. وذلك ما يجعل المصادفة هنا بعيدة الاحتمال.
وفي المقابل، وعلى بعد خطوة واحدة من هذا التتويج الحزبيّ، تقف الأرقام الأخرى؛ فشعبيّة ترامب هبطت في الأشهر الأخيرة إلى مستوى قياسيّ في أغسطس، إذ تشير بيانات «يوغوف» إلى أن 33% من الأميركيين يؤيّدون أداءه بدرجة ما، مقابل 62% يعارضونه، أي رصيد صافٍ سالب يبلغ 29 نقطة. تمجيدٌ في الداخل الحزبيّ، وانحسارٌ في الخارج الوطنيّ، والجدول المنشور يقع تماماً في المسافة الفاصلة بينهما، بوصفه محاولةً لأن يُحسم بالرمز ما تعذّر حسمه بالأرقام.
يبقى سؤال أخير، وهو السؤال الذي تركه شليزنجر الأب معلّقاً منذ 1948 ولم يُغلَق بعد: "هل يستطيع جيلٌ أن يحكم على معاصريه أصلاً؟"، فقد كان الاعتراض الأول على جدوله أن حكم مؤرخين محبوسين في لحظة زمنية بعينها لا يطابق بالضرورة ما تُسفر عنه غربلة الزمن الطويلة. وهو اعتراض وجيه، أثبتته الأعوام حين رفعت غرانت وأسقطت أندرو جونسون.
عموماً، سيصدر الجدول التالي بعد سنوات، وستكون خانة واحدة فيه، من غير سائر الخانات، محلَّ اهتمام العالم. وحتى ذلك الحين، تبقى الطبقة السادسة معلّقة في الهواء، بلا أساس يحملها سوى إرادة واضعها ترامب.