في صورة استثنائية تجمع بين التكنولوجيا البشرية وأحد أجرام النظام الشمسي القديم، ظهرت المركبة الفضائية الأوروبية «روزيتا» في لقطة سيلفي نادرة، بينما يتصدر المذنب 67P/تشوريوموف-جيراسيمينكو خلفية المشهد، في صورة تكشف جانبا غير مألوف من رحلات استكشاف الفضاء السحيق.
وعادت الصورة إلى الواجهة في أكتوبر 2026، بعدما اختارتها وكالة الفضاء الأمريكية «ناسا» صورة اليوم الفلكية في 24 أكتوبر، لتعيد تسليط الضوء على واحدة من أبرز اللحظات البصرية في مهمة روزيتا التاريخية.
الصورة التُقطت في 7 أكتوبر 2014، عندما كانت روزيتا على مسافة نحو 472 مليون كيلومتر من الأرض، بينما لم تكن تبعد عن سطح المذنب سوى 16 كيلومترًا. وتُظهر الصورة جزءًا من هيكل المركبة وإحدى ألواحها الشمسية الممتدة، فيما يبدو المذنب في الخلفية بملامحه غير المنتظمة. وفقا لوكالة ناسا .
كيف التقطت المركبة صورة السيلفي؟
لم تستخدم روزيتا كاميرا خارجية لتصوير نفسها، بل التُقطت الصورة بواسطة نظام التصوير «سيفا» (CIVA)، المثبت على المسبار «فيلة» الذي حملته المركبة تمهيدًا لإنزاله على سطح المذنب.
وجرى دمج صورتين التُقطتا بزمني تعريض مختلفين، بهدف إظهار التفاصيل في مشهد شديد التباين بين الأجزاء التي تعكس ضوء الشمس والسطح الداكن للمذنب. وبهذه الطريقة، أمكن إبراز تفاصيل المركبة والملامح المحيطة بالمذنب في إطار واحد.
ولا تقتصر أهمية الصورة على شكلها اللافت؛ إذ تظهر أيضًا المنطقة الضيقة بين فصي نواة المذنب، مع تدفقات من الغبار والغاز تنطلق من سطحه، في مشهد يعكس نشاطه مع اقترابه من الشمس.
وتكشف هذه التفاصيل طبيعة المذنبات بوصفها أجرامًا تتغير باستمرار بفعل التسخين الشمسي، إذ تتحول بعض المواد المتجمدة إلى غازات، حاملة معها الغبار إلى الفضاء المحيط.
مهمة استمرت أكثر من عقد
انطلقت روزيتا في 2 مارس 2004، واحتاجت إلى أكثر من عشر سنوات للوصول إلى هدفها، مستفيدة من مناورات الجاذبية حول الأرض والمريخ لتعديل مسارها واكتساب الطاقة اللازمة للوصول إلى المذنب.
وفي أغسطس 2014، وصلت المركبة إلى المذنب 67P، وبدأت دراسة هذا الجرم عن قرب بدل الاكتفاء بمروره أمام المركبات الفضائية خلال رحلات سريعة. وأتاح ذلك للعلماء متابعة تغيرات سطحه ونشاطه مع انتقاله في مداره حول الشمس.
وفي نوفمبر 2014، انفصل المسبار «فيلة» عن روزيتا ونفذ أول هبوط تاريخي لمركبة على سطح مذنب. وكانت صورة السيلفي المنشورة في أكتوبر 2014 آخر صورة التقطتها كاميرته قبل الانفصال، ثم التقط صورة أخرى بعد ذلك وهو ينظر إلى المركبة الأم أثناء بدء هبوطه.
وانتهت مهمة روزيتا في سبتمبر 2016، عندما وجّهها العلماء إلى الهبوط على سطح المذنب، بعد أن قدمت بيانات وصورًا أسهمت في توسيع فهم العلماء لتكوين المذنبات وتطورها.
لماذا يهتم العلماء بالمذنبات؟
تحتفظ المذنبات بمواد بدائية تعود إلى المراحل المبكرة لتكوّن الشمس والكواكب، ولذلك تمثل دراستها فرصة لفهم الظروف التي نشأ فيها النظام الشمسي قبل مليارات السنين.
كما تساعد مراقبة الغبار والغاز المنبعثين من سطح المذنب في دراسة مكوناته وسلوكه عند تعرضه لأشعة الشمس. وتدعم هذه المعلومات الأبحاث المتعلقة بتاريخ الأجرام الصغيرة، والدور المحتمل الذي أدته المذنبات في نقل الماء والمواد العضوية إلى الأرض المبكرة.
وتبقى صورة روزيتا أكثر من مجرد سيلفي فضائية؛ فهي توثق لحظة جمعت فيها مهمة واحدة بين المركبة التي قطعت مليارات الكيلومترات، والمسبار الذي حملته، والجرم السماوي الذي سافرت لدراسته، في مشهد يختصر جانبًا من طموح الإنسان لفهم أصول النظام الشمسي.

